يا حمّام لا تُغرقنا!

(مقالة عن قذارة لا تليق بكرامة الإنسان)
في زاويةٍ من كورنيش القطيف، حيث الشمس ترسم على البحر أرجوحة من ذهب، وبينما العوائل تأتي لترتاح، كان للمشهد مفاجأة لا تشبه المفاجآت، لا وردة في الطريق، ولا نسمة في المدى… بل حمّام عام! نعم، حمّام، لا أكثر ولا أقل، لكنه حَمّامٌ من نوعٍ آخر: مرعب، كأنك دخلت كهفًا في فيلم رعب من الدرجة الثالثة، مخرجه «شخص عديم الذوق» وبطله «مواطن لا يعرف الفرق بين المرحاض وسلة المهملات!».
أول السؤال: هل تفعل هذا في منزلك؟
لو أن أحدًا دخل على حمّام بيتك وتركه كما تتركون هذه المرافق العامة، هل ستدعوه مجددًا؟ هل ستصافحه؟ أم أنك ستبلّغ عنه هيئة مكافحة الكوارث الأخلاقية؟
الجواب بديهي، ومع ذلك، نراك تخرج من الحمّام العام وكأنك أنجزت بطولة… تركت آثارك وكأنك تقول للعالم: “مررت من هنا، اذكروني!”، ويا ليتك لم تمرّ.
من المسؤول؟
الجواب المعتاد: البلدية. والبلدية تقول: المقاول. والمقاول يقول: “الناس ما تخاف ربها!” وبين هذا وذاك، يبقى «المواطن الشريف» —وأنا وأنت— ندوس بأقدامنا على ما لا يُداس، ونستنشق ما لا يُشمّ، ونلعن المكان ونحن من لوّثه.
يا قوم! المرافق العامة هي غرفة المعيشة الوطنية، والحمّام العام هو عنوان التربية قبل أن يكون مكانًا للاستراحة. فلو كنت تملك ذرّة ذوق، لتركت المكان أنظف مما وجدته، لا أوسخ مما يمكن تخيّله في كابوس!
هذا ليس سلوك محبٍ لأهل البيت ولا تابعٍ لسُنّة الرسول.
ليس من خُلق علي بن أبي طالب أن ترمي علبة عصيرك في الحديقة، ولا من شمائل الزهراء أن تترك حمّامًا ينوح من الإهمال. لا ترفع راية الدين إذا كنت تسقطها بورقة مناديل على الأرض. نظافتك دليل إيمانك، وسلوكك في الأماكن العامة مرآة روحك، لا صور «الستوريات» التي تنشرها بابتسامة مصطنعة أمام الغروب.
هل تعلم ما معنى أنك تفعل هذا في مكان عام؟ يعني أنك شخص يحتاج إلى إعادة برمجة أخلاقية. يعني أنك لا تفهم معنى “هذا للجميع”. يعني أن «الحرام الوحيد» عندك هو أن تُعاقب، أما ما دمت غير مرئي، فافعل ما شئت!
ماذا نحتاج؟
نحتاج لوحات إرشادية؟ نعم، ولكن أيضًا نحتاج جدارًا أخلاقيًا يمنع هذا العبث.
نحتاج إلى أن تكون هناك فواتير سلوك… من يخرّب، يدفع. ومن يترك خلفه مأساة، يُصوّر ويعلّق اسمه في لائحة العار المجتمعي (بكل رحمة وتربية). ونحتاج إلى أن نعيد تشكيل الوعي:
أن يفهم الطفل أن المرافق العامة ليست نكتة، وأن تفهم الأم أن تعليم النظافة ليس مهمة المعلمة، وأن يفهم الأب أن القدوة ليست في عدد المواعظ، بل في عدد المناديل التي التقطها من الأرض دون أن يراه أحد.
أين الحل؟ الحل يبدأ من تحت قدمك، حرفيًا! ارفع ما رميته.
نظّف ما وسّخته. قل: “أستغفر الله” بعد أن تُسيء لمكان نظيف. واعتذر لنفسك وللناس بعد أن تجعلهم يضعون الكمامات، لا من الجراثيم، بل من القهر!
الحمّام ليس جبهة قتال، والمرفق العام ليس ثكنة مهجورة! لا تُعذّب من يأتي بعدك، ولا تصبّ نقمتك على المكان.
لسنا بحاجة إلى مؤتمرات نظافة ولا حملات إعلامية، بل إلى قليل من الحياء وكثير من الإحساس.
ختامًا: أيها المواطن الفاضح، وليس الفاضل، لا تنتظر جهة تنظّف خلفك، بل نظّف نفسك من الداخل، فالقذارة ليست على البلاط فقط، بل في بعض القلوب.
هذا المكان منزلك… فإما أن تحافظ عليه، أو… ارحمنا، وابقَ في منزلك!
وليكن الأعوان من الجميع بلدية ومقاول ومواطن.



