أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كان الله معنا.. جاء صامتًا ورحل (3)

حكيمة الجنوبي · القطيف اليومالخميس 22 مايو 2025، 3:03 م
كان الله معنا.. جاء صامتًا ورحل (3)

من أعظم النعم على الإنسان الشعور بالتسليم والرضا بقضاء الله مع ما يعصف من حوله من بلاء، والنظر إلى الأمور بعين البصيرة، سواء أكانت لحظات ألم، فقد، وحتى ضياع نفسي يجول في فكره يبحث عن ضالته التي لا يجدها إلا في اللجوء للواحد الأحد، والتقرب له لنيل رحمته، وبركات أهل بيت النبوة من محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا في حد ذاته ليس ضعفًا بقدر ما هو يقين وإيمان بقدرة الله، على تصريف الأمور وأن الفرج يأتي بعد الشدة، مع اعتقادنا بالبركات التي ترسخت في جوارحنا وأعطتنا القدرة على التحمل لتعلم الجديد من المهارات التي تبلورت مع الزمن نتيجة تراكم أفكارنا، ومن ثم تحولت لسلوك ظاهري، تشكل عادات تعكس شخصيتنا في المحيط الاجتماعي.

لطالما كنت أبحث عن حالة الرضا بقضاء الله وسعيت إلى اكتسابها، إيمانًا بأنه الوهاب، الذي لا ينسى عباده، خلقنا ليرزقنا عبادته في القول والعمل، الظاهرة والباطنة، وليس من أجل نيل العذاب والتنكيل بعباده، وما يجري علينا بلاء عابر في حياتنا فهو رحمة باطنة سندركها مع تعاقب الحوادث والسنوات.

نعم لا أخفي عليكم هذا كان شعوري خلال رحلة علاج ولدي محمد من مرض سرطان الدم (اللوكيميا)، من الوهلة الأولى عند إعلان الطاقم الطبي أنه مصاب وعليه الخضوع لخطة علاجية تصل لمدة سبعة أشهر في الرياض، وتمتد إلى ما يناهز السنتين خارجها، هنا كانت كلمتي: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"، وبلاء واقع علينا من والدين وإخوان ومعارف، وفرصة لرفع الأكف بقلب خالص للدعاء.

قبل البدء في حديثي أعترف لكم أنني انتابتني حيرة؛ كيف أعترف بها وأخرجها من بين لساني، وحروفي، ووصفها كجزء من تجربة الألم المشترك، على المستوى الجسدي لولدي، والنفسي لنا جميعًا، مع ذلك هدأت من روعي بالتفكير والدعاء لله أن يجعلها نقطة تحول نحو القرب منه، وتزكية للنفس بما تحمل من أحداث شتى.

نعم السرطان المرض المرعب عند الكثير بمجرد ذكر اسمه، المرض الذي زار الكثير من البيوت وخطف منها آباء وأمهات كانوا جنة الحياة، وشبابًا يرتقب منهم شق طريقهم نحو المستقبل الزاهر بالعلم النافع والعمل الصالح، وحتى أطفال كانوا بهجة الحياة يتقلبون بين الأيدي وسط أنفاس وضحكات يأمل منها عدم الانقطاع أبد العمر.

محمد كان لنا التجربة الأولى في الدائرة الأسرية الأقرب مع ذلك، وقفنا معه بأن الألم ألم الجميع، كنت أردد عليه المريض ضيف الله، وكنّ على يقين بأنك تحت كرم ورحمة الله الرحيم علينا أكثر من رحمتنا بأنفسنا، كما أنه اختارك في أفضل الأيام والشهور التي تتزين ببركات لا تحصى من أهل بيت النبوة محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام، مع ما يقدم من رعاية صحية متقدمة على مستوى عالمي.

لم يكذب الفريق الطبي في مركز الملك عبدالله للأورام وأمراض الكبد التابع لمستشفى الملك فيصل التخصصي، التشخيص المبدئي الصادر من مستشفى القطيف المركزي، بل عملوا على تأكيده بعد أخذ الخزعة، والتحاليل، والفحوصات، أعلنوا بعدها أنه مرض لوكيميا "سرطان دم نقوي حاد"، وعليه قدموا لنا الخيارات التي تقضي عليه بشكل نهائي.

بدأت رحلة العلاج بين ألم يباغته بين الخفة والشدة، كان يتحرك ويأكل، ويتحدث بطيب الحديث مع كل من يسأل عنه، كلمة الحمد لله تتقدم شفتاه لكل من يسأل عنه، أنه بخير، ومع بدء أخذ جرعات العلاج الكيماوي كان يقول: لماذا لا أشعر بالألم، لماذا الناس تشكو الوجع منه؟

لم يكن يعلم أن هجوم الكيماوي العنيف كان يأتي متسللًا يسلب منهم جميع خلاياه السليمة والمريضة، وعليه غابت أدق ملامحه من صفاء بياض لون بشرته، وشعره الذي أصبح يتساقط بين الوسادة، وأصابع يديه أكوام، ورافق ذلك نزول حاد في المناعة، الهيموجلوبين، الصفائح الدموية، وفقد الوزن والشهية وحتى رائحة الطعام، والحرارة التي تهز بدنه، وعندما يسأل عن السبب كنت أجيبه حينها: أنت بخير، هذا طريق العافية استشعر وجود وأهل البيت معنا، كرر يا ولدي: اللهم أبدلني خيرًا، سيعوضك الله خير ما فيه.

وبالتدريج تسلل له الضعف والقيام بأبسط المهام، مع ذلك كنت أصبّر نفسي، وأرسل لمن حولي محمد سيكون بخير، الله وأهل البيت لن ينسوا من والاهم، كنت أيامها أتخيل صدى اسمه بين تلبيات الحجيج عند بيت الله والمشاعر المشرفة، ودعاء المؤمنين والمؤمنات بين أضرحة المعصومين، الذين غمرونا ببركتهم حتى بمعرفة الزوار لتقليدهم الزيارة والدعاء له بالشفاء، وحمل حاجتي بين رسائل الحاجات بالسلام والدعاء عند المعصوم، كل يوم كنت أسمع منهم، البعيد والقريب، وقولهم: لم أنس محمدًا من الدعاء، اعتبرت كل مناسبة لأهل البيت عليهم السلام محطة للتزود من البركات وأنها مرحلة للانتقال من المرض للعافية.

صور شتى بشرتني أن الفرج قادم ومنها؛ كثرة أسفار أقرب الناس من الأهل والأصحاب للزيارة المعصومين ولأداء فريضة الحج، إرشادي من زوجة عمه بإرسال نموذج رسالة للمعصومين لطلب الحاجة، الكل أرسل البشرى: لقد وصلت رسالتك للمعصومة، رغم البُعد، والزحام، ومشقة تعب السفر.

ونحن في خضم هذه الأحداث كان يلزم علينا كأسرة الاستعداد لعملية زراعة نخاع العظم له لما بعد مرحلة العلاج الكيماوي والشفاء من المرض، حيث هب الجميع للمبادرة بتقديم دمه، من والدين وأخت، وأربعة إخوة، وترقبهم بمطابقة الأنسجة لتتم العملية لمنع عودة المرض -بمشيئة الله تعالى.

ومع أيام العشرة الأولى من دخوله المستشفى أخذ منهم خزعة لنخاع العظم، تمهيدًا لمرحلة أخرى قد تكون شديدة لا نعلم منها شيئًا، وقتها عاش صراعًا ينتابه داخل جسده بين الكيماوي والمرض الذي كان على أشده، حينها كان الإمام الحسين عليه السلام هو الباب الذي نطرقه مع صوت القرآن والدعاء، الذي كان يتسلل مع خيوط شمس الصباح لكل يوم، دائمًا ما يراودني تفكير بما أنه أمام ناظري ويتحدث معي فهو بخير، عندما يبكي من الألم ويلهج بطلب تخفيفه فهو بخير، غيره من المرضى في غرف العناية المركزة.

وفي يوم 11 من محرم كان الفرج؛ آفاق من نومه بعد نوبة من حرارة جسمه المرتفعة بشكل متصل لعدة أيام، جلس وكأن شخصًا يكلمه، وهو ينظر للسرير بقوله: لا أدري يا أماه أشعر بتعرق وكأن السرير مبلل وأن جسمي خفيف ومرتاح، أجبته: خيرًا بعون الله غدى الشر، انوِ في قلبك أنه بداية العافية.

لم يطل به الأمر بعد هذا التعب بدأ في استرداد نوع من العافية، وفي يوم 12 كانت المفاجأة، كنت أتحدث مع أختي هاتفيًا، ومحمد في دورة المياه، وبينما نحن كذلك، أقبلت الدكتورة وسألت: أين محمد؟ أريد أن أبشره طلعت نتائج الخزعة وبينت أنه شفي من السرطان والكيماوي قضى على جميع الخلايا السرطانية في الدم، وقتها لم أتمالك أن أمسك دموعي عن البكاء شكرًا وحمدًا لله، وأخذتها بالأحضان، انتابني تساؤل: أبشر من؟ لم أنتظر خروجه من دورة المياه؛ محمد طلعت الخزعة أنت سليم؟ فكان رده: الحمد لله الحمد لله؟ وأختي تسمع ماذا بكم؟! خيوة محمد طلعت نتيجته سليم من السرطان الحمد لله.

بعدها لم يطل الوقت أقل من ساعة وإذا بدخول الممرض حمد رئيس قسم التمريض: خالة عندي لكم بشارة، طلعت نتائج تطابق تحاليل نخاع العظم، بتطابق؛ حسن، وحسين، وعبدالله، في لحظتها كان السجود شكرًا لله هو الرد، بأن جدد لابني العافية، وأن عنده إخوة يكملون هذه العافية بعد الله، غاب للحظات، بعدها عاد: عندي بشارة أخرى، التطابق من عبدالله 100%، لقد سمعت صوتك يلهج بالفرحة منذ برهة، وأحببت أن أبشرك بنفسي.

كأن الدموع هي من تتحدث وتخرج قبل الصوت، وبكاء بارد على الوجنتين، نابع من طمأنينة القلب، بأن نوفي النذور، واستجيبت دعوات جميع المؤمنين والمؤمنات، بفضل الله، وبركة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، لقد كانت شمس ذاك اليوم شاهدة علينا حيث لم تنزل للمغيب إلا بارتفاع المناعة لجسده وتحقيق الوعد بفضل مصيبة الإمام الحسين عليه السلام.

وفي صباح يوم 16 من المحرم جاء لنا الفريق كعادته بقيادة الدكتور عبدالوهاب البابطين والابتسامة على محياهم، وينظرون لبعض بفرح، ونحن في حالة استغراب لماذا؟! وهنا قال البابطين: كيف حالك يا محمد؟ أجابه: الحمد لله، أبشرك يا بطل انتصرت على السرطان مناعتك في ارتفاع ملحوظ، وتستطيع مغادرة المستشفى بعد يومين؟ حينها رفع محمد جسده المستلقي: صحيح!؟ ماذا بكم خلوني أستوعب وأفرح للأولى حتى أفرح للثانية.

عمت أجواء الفرح ورائحة الشفاء أجواء الغرفة، كشف الطبيب فيها سرعة استجابة محمد للعلاج بشكل سريع، مقارنة بمرضى آخرين بدأوا أخذ العلاج في ذات اليوم، مرجعًا ذلك لقوله: هذا بفضل إيمانك وروحك الإيجابية ورغبتك في هزيمة المرض والشفاء منه، ختموا بقولهم: لقد تجاوزت مرحلة صعبة، غادر المستشفى لتغير جوًا وارجع لنا بعد عشرة أيام لمرحلة العلاج بزراعة نخاع العظم.

الحمد لله. نعم إنها حالة بلوغ الوعد الإلهي بالنصرة والمنح للنعم التي لا تحصى، بفضل الله وبركة أهل بيت النبوة محمد وآل محمد، ودعاء المؤمنين والمؤمنات، والرعاية الصحية الفائقة في وطننا الغالي، ومن الواجب علينا الدعاء لله بمناجاة الشاكرين: "فَكَيْفَ لي بِتَحْصيلِ الشُّكْرِ وَشُكْري إيّاكَ يَفْتَقِرُ إلى شُكْر، فَكُلَّما قُلْتُ لَكَ الْحَمْدُ وَجَبَ لِذلِكَ أنْ أقُولَ لَكَ الْحَمْدُ، إلهي فَكَما غَذَّيْتَنا بِلُطْفِكَ وَرَبَّيْتَنا بِصُنْعِكَ فَتَمِّمْ عَلَيْنا سَوابِـغَ النِّعَمِ وَادْفَعْ عَنّا مَكارِهَ النِّقَمِ، وَآتِنا مِنْ حُظُوظِ الدّارَيْنِ أرْفَعَها وَأجَلَّها عاجِلاً وَآجِلاً، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى حُسْنِ بَلائِكَ وَسُبُوغِ نَعْمائِكَ حَمْداً يُوافِقُ رِضاكَ، وَيَمتَرِى الْعَظيمَ مِنْ بِرِّكَ وَنَداكَ، يا عَظيمُ يا كَريمُ بِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمينَ".

علينا الإيمان مع كل شدة هناك لطف خفي للإنسان وحكمة لا يعلمها إلا الله سيبهرنا يومًا بكرمه.

للحديث بقية. سيكون هناك لقاء قادم مع الحروف بين السطور.