الانطوائيون.. عمقٌ يُحتفى به.. لا ظلّ يُخشى منه

الإنسان كائنٌ معقّدٌ لا يُمكن اختزاله في سمةٍ واحدة، غير أن بعض السمات تكون كالمفاتيح الخفية التي تفتح أبواب مصيره، وتوجّه مسارات تأثيره في الحياة.
ومن بين هذه السمات ما يتعلّق بالبرامج الذهنية، تلك البُنى التي تتشكّل منذ اللحظات الأولى لوجود الإنسان، وتوجّه بوصلته دون استئذان، وتعمل في طبقات وعيه المتعددة: أحيانًا في الخلفية، وأحيانًا في الواجهة، وربما تتجاوز إدراكه الظاهر كلّيًا، لكنها تبقى تؤثّر، وتوجّه، وتصنع القرار دون أن ينتبه لها غالبًا.
ومن أبرز هذه البرامج الذهنية ما يُعرف ببرنامج الفاعلية، وهو البرنامج الذي يُحدّد كيف يُصبح الإنسان فاعلًا ومنتجًا داخل ذاته، وضمن نسيجه الاجتماعي.
ولبرنامج الفاعلية مساران متباينان، يُشكّلان ملامح الشخصية ويحدّدان طريقة التفاعل مع العالم:
الأول: الانبساط: حين تستمدّ الذات فاعليتها من الخارج، ومن الانفتاح والتواصل والمشاركة، والتفاعل ضمن الدائرة المفتوحة. والفرد الذي يميل لهذا المسار تتضّح في شخصيّته بعض الصفات، ومنها: التمتّع بتلقائيةٍ واضحة، والسماح للآخرين مشاركة أموره الخاصة. التعبير عن دواخله دون تحفّظ، والتحدّث بشكلٍ مستمر في كل شيء. لا يُحب الوحدة، ويُفضّل العمل الجماعي.
الثاني: الانطواء: حين تنبع الفاعلية من الداخل، ومن التفكير العميق، والعزلة الإبداعية، والانغماس في العوالم الداخلية، فتبرز فاعلية الفرد وحيويّته حين يكون بمفرده، أو ضمن دائرةٍ مغلقة.
والفرد الذي يميل لهذا المسار تتضّح في شخصيّته بعض الصفات، ومنها: يعيش في عالمه الداخلي، ولا يرى ضرورة أن يطّلع على ذلك العالم أحد. يبني علاقاته بشكلٍ جيّد، ولكن مع أشخاصٍ محدودين. لا يصدر ضجيجًا حتى وإن كان في داخله موجٌ من الأفكار والكلمات.
من هنا فإن الانطوائيين هم أولئك الأشخاص الذين جاؤوا إلى الدنيا وضمن برامجهم الذهنية مسارٌ يتّجه بهم تلقائيًا نحو الانطواء كي تتحقق فاعليتهم ونشاطهم ضمن البيئة التي ينتمون إليها. وهذا المسار لا يعني عزوف الانطوائي عن الحياة الاجتماعية، بل هو يرسم طبيعةً معينةً لتفاعل الانطوائي مع المحيط من حوله.
تأثيرات المسار الانطوائي على حياة الفرد
رغم أن الانطوائي لم يختر هذا المسار، ورغم أنه مسارٌ طبيعي لا يُعد خللًا ولا مرضًا، إلا أن تأثيراته على حياته واقعية، تنبع من طبيعة شخصيته أولًا، ومن جهل المجتمع بها ثانيًا، ومن غياب الأخلاقيات في كثيرٍ من ميادين الحياة ثالثًا. ومهما كانت الأسباب فإن سمة الانطواء ستلقي بظلال تأثيراتها على حياة الفرد الانطوائي شاء أم أبى.
ومن أهم تلك التأثيرات أن الشخصية الانطوائية قد يُسحب من تحتها البساط مهما كان نتاجها، ففي مجتمعٍ قد تغيب عن واقعه الأخلاقيات المهنية يجد الانطوائي نفسه مجهدًا في إثبات وجوده، فكونه لا يُصدر ضجيجًا قد يأتي من يُصدر ذلك الضجيج ويسحب منه البساط، وإن كان له الفضل بالدرجة الأولى. فمثلاً في البيئة التعليمية قد يكون الانطوائي يعرف الإجابة على سؤالٍ مهم طرحه الأستاذ، إلا أنه قد يُفضي بالجواب إلى من هو بجانبه ليقوم الآخر بعمل ضجيجٍ في الفصل ليتقدّم بالجواب فتكون النتيجة لصالحه. وفي البيئة المهنية كذلك قد يُجهد الانطوائي نفسه في عملٍ ما، إلا أنه بصوتٍ هادئ، ويقوم آخر بعملٍ أقل شأنًا، إلا أنه بعد عمل ضجيجٍ واسع تتّجه الأنظار حوله، وطبيعي ضمن بيئةٍ لا تهتم كثيرًا بكشف الكفاءات الحقيقية فإنها ستٌصغي لذلك الضجيج، وتُهمل من يعمل بهدوءٍ أو بصمت.
وفي البيئة الاجتماعية تتجلى الصورة بشكلٍ أوسع، فتجد هناك جمهورًا واسعًا يتجمهر حول من أنتج نتاجًا قد لا يصل في جوهره لحجم هذا التفاعل الكبير، إلا أن الضجيج جعل من ذلك النتاج أعجوبة زمانه. وقد لا يتطلب الأمر ضجيجًا متكررًا، فيكفي الشخصية الانبساطية أن تُصدر ضجيجًا لمرةٍ واحدةٍ وبقوّة ثم إن الناس تلقائيًا يتّجهون نحوها، طبعًا مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الشخصية الانبساطية وتوسّع علاقاتها الاجتماعية.
بينما الشخصية الانطوائية التي لم تعتد على إصدار هكذا ضجيج، بل قد لا تستسيغ مثل ذلك العمل، فإنها وسط هذا المجتمع تعيش غيابًا حقيقيًّا.
إضافةً لذلك وهو أسوأ من سابقه، قد ينطق انطوائي بفكرةٍ أو بأفكارٍ رائدة، إلا أنها تغيب عن الساحة الاجتماعية التي ينتمي إليها، فيأتي من لا يمتلك أخلاقيات المهنة ليُصيغ تلك الفكرة ذاتها وينسبها لنفسه، وهنا يضيع حق ذلك الانطوائي.
وأكثر من ذلك قد يُبدع انطوائي في بلورة رؤيةٍ جديدة تخدم الساحة الاجتماعية، إلا أنه بحكم هدوء نشاطه، يأتي من يمتلك سيطًا اجتماعيًا ليقدّم عنوان الرؤية أو شيئًا منها، فتتّجه الجماهير له طواعيّةً ويأخذ هو زمام المبادرة في ذلك.
وهنا قد ينبري أحدٌ ليقول: الحق يقع على ذلك الانطوائي الذي لم يعرف كيف يُثبت وجوده في المجتمع، ولم يعِ كيف ينشر فكره وآراءه، وكذلك الطالب في البيئة التعليمية، أو الموظّف في البيئة المهنية، هم مخطئون حين لم يدركوا كيف يُعبّرون عما في أعماقهم. فالمسؤولية تقع على عاتق أولئك الانطوائيين الذين أجحفوا بحق أنفسهم، وعليهم معالجة ذواتهم أولًا قبل إلقاء اللائمة على الآخرين.
وردًا على مثل هذه العبارات القاسية التي يتجرّعها الانطوائيّون بين حينٍ وآخر، أقول: رغم أن هذه العبارات في ظاهرها تحمل تحفيزًا للانطوائيين لتجاوز تأثيرات تلك السمة عليهم، إلا أن في أعماقها سُمًّا قاتلًا قد يلغي وجود الانطوائيين من الساحة الاجتماعية ويجعلهم يلجؤون إلى الانزواء والعزوف عن المجتمع، كما أنها تغفل عن السبب الرئيسي الذي يكمن في غياب الأخلاقيّات العامة في الساحة الاجتماعية بمختلف ميادينها، وكذلك الجهل بحقيقة التعامل مع هؤلاء الانطوائيين.
وهنا أود أن أضع يدي على جانبٍ مهم وإن كان يُلامس زاوية أخرى بعيدًا عن الموضوع إلا أن لها تقاطع معه.
نسمع كثيرًا عن تفصيلٍ في أحكام المعاملات بين الأحكام العبادية والأحكام الأخلاقية، ونجد تفريقًا بين الأمرين فيُقال: هذا الحكم تعبّدي بمعنى ضرورة أن يكون، وذلك الحكم أخلاقي بمعنى أن تحققه يزيد في الفضل، وعدم تحققه لا يضر. ووفقًا لذلك ظهرت عبارات وأصبحت كأنها قاعدة أساسية في المعاملات بين الناس، ومن أمثالها: القانون لا يحمي المغفلين.
برأيي، هناك خلطٌ واضح بين الأحكام الأخلاقية والأحكام التعبدية، فكلُّ حكم أخلاقي يحمل في جوهره بعدًا تعبديًا، وأحكام المعاملات في حقيقتها تنطلق من الأخلاق قبل أن تنعكس في الفقه، وأيّ مكسبٍ يخالف الأخلاق لا يخلو من إثم.
الانطوائية ليست ظلًا يُخشى منه، بل عمقٌ يُحتفى به
أيها الانطوائي إن إدراكك لحقيقة هذا الواقع من شأنه أن يُحصّنك من شدّة الصدمة أمام الواقع، وأن يجعلك أكثر ثباتًا ووعيًا بما يُحيط بك، وأن أمامك طريقًا يتطلب منك جهدًا ليس بسيطًا لإثبات وجودك. ثم إذا اتّضح لك غياب الأخلاقيات المهنية في كثيرٍ من الحالات، فهذا يدفعك لأن تأخذ الحيطة والحذر كي لا يُسرق جهدك. ففي عالمٍ يصرخ بالصوت العالي، لا تُقلّل من همس الفكر النقي، ولا تنتظر أن يُسلَّط الضوء عليك، بل كن النور الهادئ الذي يسطع من الداخل.
ولمن حول الانطوائيين: لا تُطالبوه بأن يتحدث بطريقتكم، بل أنصتوا إليه بطريقته، ففي صمته وطنٌ من الحكمة، وفي هدوئه عالمٌ من المعنى.



