سرب العصافير يعيد الحنين وذكريات الطفولة بين نخيل القطيف

لم يكن الطريق الذي سلكته بالأمس سوى ممر عابر، أمضي فيه بهدوء بسيارتي لإيصال ابني إلى دورة سباحة، لكن الصدفة أبت إلا أن تحوّله إلى رحلة زمنية عميقة، حين باغتتني تلك اللحظة الاستثنائية، سرب ضخم من العصافير يحلق فجأة في فضاء المكان، كأنه لوحة من أيام مضت.
أسرعت بتشغيل الكاميرا، فلم أتمكن من اللحاق بالمشهد الأول، حتى هاجرت أسراب أخرى أصغر أمام عيني كما تظهر الصور، لتكتمل المفاجأة، لم يكن مجرد طيران طيور، بل كان طيرانًا بي إلى أعماق الذاكرة.
أعادني ذلك المنظر إلى سنوات الطفولة، حين كانت غابات النخيل تحتضن بيوتنا وتظلّل طرقاتنا، كنا نكبر بين الخضرة والماء، وكانت العصافير وأنواع الطيور الأخرى جزءًا من المشهد اليومي المألوف، لم نكن نندهش من أعدادها، فقد كانت تحيط بنا كما تحيط بنا أنفاسنا.
لكن الزمن غيّر وجه القطيف، وتحولت الرقعة الخضراء تدريجيًا إلى كتل إسمنتية صلبة، ومعها اختفت أصوات الطيور، وغابت مشاهد الأسراب، لم يبقَ منها إلا في الذاكرة والحنين، حتى جاءت تلك اللحظة التي التقطتها عدسة صدفة، لتعيد إلي ما كنت أظنه قد ضاع إلى الأبد.
ذلك الطريق الهادئ الممتد بين بلدة حلة محيش والمصرف الزراعي المؤدي إلى بلدة أم الحمام بدا كأنه يفتح لي نافذة على الماضي، الأشجار، السكون، والمفاجأة التي نسجتها العصافير في فضاء الغروب، كل ذلك جعلني أرى ما لم أكن أتخيل أن أراه مجددًا في حياتي بالقطيف.
لقد صار المشهد بالنسبة لي أكثر من مجرد صورة، كان رسالة بأن الطبيعة، مهما طغى عليها الإسمنت، قادرة أن تنهض فجأة وتعلن وجودها، وتذكرنا بما كنا عليه وما يجب أن نحافظ عليه.
لم أكن أتصور أن سرب عصافير سيهز مشاعري بهذا الشكل، ويعيدني عقودًا إلى الوراء، لكنه فعل، وجعلني أستعيد أيامًا كنا فيها أكثر قربًا من الأرض ومن السماء، من الطيور ومن الخضرة، من البساتين ومن البساطة.
هي لحظة عابرة، لكنها أهدتني ذكرى لا تقدر بثمن، وحنينًا لا ينطفئ، وأعتذر لكم أعزائي القراء إن كنت قد سرقت من وقتكم دقائق ثمينة لأجل سرب عصافير مرَّ صدفة بجوار سيارتي، لكن ما العمل، أحيانًا مشهد عابر قد يساوي عند صاحبه مجلدات من الكتب، بينما عند الآخرين لا يتعدى كونه «زحمة طيور» أعاقت الرؤية.





