أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ديمة (اليتيمة).. الجزء الثاني

عبد العزيز شروفنا · القطيف اليومالأحد 5 أكتوبر 2025، 9:25 م
ديمة (اليتيمة).. الجزء الثاني

كانت غرفة ديمة التي تم تجهيزها لتكون مقر احتجازها ، أشبه بقاعة صغيرة خاوية، لا تحتوي إلا على فراش بسيط مغطى ببساط بلاستيكي. على الرغم من كبر مساحتها مقارنة ببقية غرف البيت، إلا أنها بدت قاحلة ومعتمة . كانت مزودة بصنبور ماء ومكان لقضاء الحاجة، ومصباح كهربائي خافت يلقي بضوءه الضعيف على الجدران. كانت الغرف الأخرى في البيت لا تبتعد كثيرًا عن هذا الوصف، حيث كانت غرفة الأولاد مكتظة، وغرفة البنات وجدتهم تعكس حالة من الضيق وفوضى المفارش والاسرة المتداخلة مع بعضها البعض ، أما الغرفة الأخيرة فكانت مخصصة لإبنتي الجدة ، اللتين أصبحتا طريحتي الفراش، والمرض ينهش جسديهما ببطء، وكأنهما شمعتان تذوبان في صحن معدني.

استقرّت ديمة في المكان الذي ستقضي فيه ستة أشهر ، وذلك حسب الحالة المعتادة ، فمنذ ثلاث سنوات و بالتمام والكمال، كانت نزيلة نفس الغرفة ولنفس السبب ، وهاهي الان تعود اليه برغبة منها و بإصرار من المجتمع المحيط بها ، فلم يكن لديمة في ذلك الوقت خيارات أخرى، كانت على الدوام تدرك وهي في نهاية صحوتها ، وقبل أن تدخل عالمها الخاص، أن عليها أن تقيد ، والا فسوف تهيم على رأسها دون شعور ، هذا الشعور كان يجلب لها الخوف على سلامتها ، وسلامة من حولها أيضا ، وقد حدث لها من سنوات عديدة ، أن داهمتها نوبة ( الفصام الحادة) ، ولقيتها نسوة بينما كانت تستعد لإلقاء نفسها في إحدى عيون الماء العميقة، ولولا تدارك الأمر بإنقادها من قبلهن في اللحظات الأخيرة لاصبحت ديمة في خبر كان.

فعندما تداهمها الحالة تفقد الاتصال بالواقع ، وينتابها أوهام وهلوسات ، فتسمع أصواتا تدعوها لفعل أشياء خطيرة ، ويزداد عندها التخيلات ، فتخاطب الأطياف بأعتبارهم أشخاص حقيقيين ، وَ لكنهم من عالم مختلف، و تتعامل معهم على أعتبار أنها تنتمي اليهم ، يصادف خلال دورتها المرضية أن تستعيد بعضا من وعيها الحقيقي ، ولكن لفترة قصيرة جدا ، ثم ما تلبّث وتغوص مرة أخرى في عالمها المرضي.

في ليلتها الاولى ، هبت رياحاً عاتية ، مزقت بقوتها صمت المنزل الكئيب ، أهتزت له جدوع الأسقف ، وانتفضت اركان الابواب والنوافذ الخشبية. حينها كان المصباح الكهربائي اليتم يهتز كبندول الساعة ذهابا و ايابا، وكانت الظلال تتشكل على الجدران راسمة هيئات على شكل أشباح متحركة، لم يغب المنظر عن عيني ديمة، التي كانت تخاطبهم بود ومحبة : "أفرحوا يا ابنائي ، أتاكم الفرج أخيرا، واجتمعت بكم ، هيا أقتربوا مني ، لأخوف عليكم بعد اليوم ، لا تخافوا من الفئران التي تتقافز هنا وهناك، فقد ألفتني وألفتها، وأصبحنا في صحبة أبدية ".

قهقهت ديمة مجلجلة المنزل ، وبصوت عالي صاحت " أعصفي أيتها الرياح الباردة ، زلزلي الارض من تحتنا ، أبرقي أيتها السماء ، أضيئي ظلمتنا المعتمة، أعلني غضبك ، أنثري الخوف في نفوسهم ، لا رتابة بعد هذا اليوم ، لاحدود لصوتي " قهقهات متتالية ، " لن تسمعوا غير صوت اليتيمة"

دب الخوف في مفاصل الصغار ، وأرتعدت فرائصهم ، فلا طعم للنوم بعد الان ، هاكذا تعودوا ، عندما بنزل الظلام ، وتلمع النجوم البعيدة في منازلها ، فتسارع الطيور إلى أعشاشها ، ويستوطن الصمت البلدة النعسانة ، فيصبح الصوت المجلجل الوحيد ، صوت ديمة ، الكل يعرفه من الجيران ، ويعرفون موسمه ، وهاذا هو صوتها المألوف ، وقهقهاتها الصاخبة المشوبة بالسخرية ، وحديثها المفتوح على كل ما يدور بخلدها. حيث ، تنفجر براكين الأفكار الدفينة ، وتطفو إلى السطح المتناقضات التي خزنها عقلها الباطني ، فلا ستار و لا ضوابط ، حيث تتعرى النوازع كما تتعرى الأغصان من اوراقها.

بعض الصبية والفتيات الأكبر سناً، يصيخون السمع ، محاولين اقتناص المفردات الغريبة التي لم يألفوها، وكانوا يتهامسون، ولكنّ الوجل يعتصرهم، من أنّ السماء سوف تعاقبهم ، وتنزل بهذا البيت الهلاك ، وأن التربية التي نشئوا عليها تعتبر التنصت على الكلام المحضور نوعا من التجسس الذي يعاقب عليه ، وعندما تدرك الأم مايعانيه الأطفال في دواخلهم ، تخبرهم بأن الله تعالى لايأخذ بأقوال المبتلين، وأن ديمة رحمة وبركة ساقها الله إلى هذا المنزل ، وتحثهم على النوم ، وعدم الاستماع إلى ؛ وساوس الشيطان ؛ وتطلب منهم قراءة الايات القرآنية التي يحفظونها ، و الإكثار من الادعية ،إلا أن وحيدة ديمة نطقت وقالت " كلنا حفظنا كلام أمي المسكينة ، ترى

قال صغير الأطفال : أن لم نرحل من هذا البيت الكئيب ، فسوف تهيم بنا الشياطين ، وتفترسنا الافاعي التي تكثر هذه الايام في منزلنا ، رأيتها تخرج من عدة جحور ، وأيده صبي آخر ، فقالت لهم الجدة بصوت حازم ،" هذا هو قدرنا الذي ابتلينا به ، في هذا الموسم ، كما في المواسم المشابهة ، الكل يهجرنا ، وتثار القصص اللعينة حول منزلنا ، وأنتم أيها الاولاد الأبطال الذين تدافعون عن سمعتنا ، قد لايعرف الاخرون العذابات التي نواجهها ، ولا الالام التي نكابدها، ولا يعلمون كيف يأثر فينا سهر الليالي ، ولكننا بالصبر نقوى ، ومن جراحنا نتعلم . وأضافت الجدة : الأفاعي لاتخرج من جحورها إلا لاصطياد الفئران الصغيرة ، وبقية الاوقات تكون في مرابضها ، فلاخوف عليكم أيها الصغار وأنتم في أمان .

عندما دار الحديث بين الجدة والأبناء ، كان الهدوء سيد المكان ، حتى ديمة مالت إلى الصمت ، مما زاد المكان هيبة ورهبة مفاجئة، ، وعندما أنتهى الحديث ، سمع الابناء صوت ديمة العاصف ، أمطرتهم بوابل من اللوم والتهكم " ألم أقل لكم بأن زوجي الشهم قد هجرنا إلى ساحاته البعيدة ، إنه يا فئراني الأعزاء مفتون بها دون ارادة منه "

كانت ديمة تعرف بأن هجرته الابدية مع تلك البيضاء صاحبة العنق الطويلة قد تمت دون رجعة ، وقد رأت أمرأته البغيضه مرات عديدة في زيارتها المتقطعة إلى منزلهم ، ولاحظت بأم عينيها كيف كانت تلك البيضاء تجلده وبشكل يومي على وجهه وقفاه ، وباطن رجليه بعصاتها الغليظة ، وعرفت من جيرانهم أن تلك الممارسات تحدث بشكل يومي تقريبا وأنها لم تكتفي بضربه أو صفعه ، بل كلما رأته في طريق ذهابها وإيابها في المنزل رمقته بعينيها الحمراوان، نعم تمتلك عينين ملتهبتين كنار سعير، ترمقان في عينيه فيرتجف وتصبح يديه كأوراق شجر يابسة، ويذبل وجهه متحولاً لونه إلى لون الليمون الاصفر، ويصبح شعر رأسه كسعفة نخل تهدلت أعقابها دون ترتيب.

واصلت ديما صرخاتها قائلة :" فاليدهب إلى حيث تشاء أقداره ، فلن يساوي في حجمه مقدار فأر صغيرا في فم أفعى ماكرة، أخرجي أيتها الديدان النائمة من أعماق الارض الرطبة "

كما حدث لديمة في ليلتها الاولى ، حدث بعدها طيلة أيام وأسابيع و تبعتها شهور ، أصبح المنزل لايطاق ، ليس هناك صفة واحدة مقبولة ، و لم يعد صالحا للعيش ، اختلط فيه الليل مع النهار ، و الصمت مع الضجيج ، و البكاء والنحيب.

هرب الأطفال إلى بيوت أقربائهم ، وبقي في المنزل الخالة وأبنتاها طريحات الفراش ، ومعهما وحيدة ديمة ، البنت الذكية التي نخر وجهها الالم ، و غاب بريق شبابها ، و غارت عينيها إلى محاجرها ، كانت تتحدى ألمها ، وتبتلع غضبها ، بل وكانت تفتعل الابتسامة كلما سمعت أمها تقول للخالة " أنني فخورة ياخالة بوحيدتي لانها لم تنم ،" أنا لا أريدها ان تنام كما تنام النعاج ، فكل من ينام يصبح جدعا يابسا لا حياة فيه ، ما أكثر الجدوع المنخورة ، لن اضحك هذه المرة ، فقد أقتربت من الصمت ، و أقترب الشتاء من الانتهاء "

جاءت اليها وحيدتها ، دامعة العين بعدأن غسلت ابتسامتها بماء المرارة ، قائلة " شارفت يا أماه حفلة الأوجاع على النهابة ، لن اسمح بعد هذا الفصل من تكرار ماكان يحدث لك "،

وماذا عساك أن تفعليه عندما تداهمني تلك الحالة يا وحيدتي ؟ أترين جسمي الذي تيبس ، ومفاصلي التي لاتقوى على الانثناء؟ أهو قدري المكتوب منذ الأزل ؟ فأبتسمت وحيدة وقالت " ليس مكتوبا عليك أن تكوني سجينة هذا المكان الملعون ، سمعت بوجود علاجات لحالتك ، سيأتي إلى هنا طبيب مشهور ، وسيكون لنا أمل في الشفاء و ستتجاوزين حالتك البائسة، الأمل كبيرا جدا يا أماه .

سمعت الجدة الحوار بين وحيدة وأمها ديمة ، فأقتربت بلهفة ، وتساءلت عن صحة الخبر ومصدره ، فأجابت وحيدة بثقة كبيرة " نعم يا جدتي ، معلوماتي مؤكدة، والد صديقتي ، الدكتور الطيب ، سيزورنا قريبا ، وسيحدد العلاج المناسب لأمي، لن نسمح للحزن أن يسيطر علينا ، سنخرج من هذا الكابوس القابع على صدورنا ".

‎امتلأت عينا الجدة بالدموع، ورفعت نظرها إلى السماء، وهي تهمس بآيات الرجاء: "اللهم احفظ وحيدة، واشمل بناتي برحمتك". نظرت ديمة إلى جسدها المتعب، وقالت بصوت يكاد لا يسمع: "إن شاء الله، غدًا ستشرق شمس الأمل، وستزول هذه هذه الغيوم المعتمة

تنوية
تغير اسم القصة إلى عنوانها الأصلي ( ديمة اليتيمة )
يتبع إلى الجزء الثالث