أعد بوصلة حياتك وجدد رؤاك وثبّت أركان معتقدك

الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، وبمسارٍ واحد، وإنما حياة الإنسان متناغمة ومتصادمة ومتصارعة مع بعضها البعض، فلا يمكنك أن تعامل صديقك منذ الصغر إلى الشيخوخة بوتيرة واحدة؛ فما لم يكن يؤلمه أصبح اليوم موجعًا له، وما كان يضحكه أصبح اليوم يبكيه، وأنت كذلك تواجه نفس التغيرات النفسية والحياتية.
تغيير مسار حياتك ليس أمرًا يدل على ضعفك، أو اضطراب مزاجك، أو تكبّرك، أو انزوائك، بل هو نتيجة طبيعية للواقع الإنساني المتغيّر، وليس ذلك رهينًا بالزمن فقط، بل باللحظة؛ فما أكثر ما نسمع أو نرى من أحداث في لحظة واحدة وينقلب فيها واقع الإنسان وكيانه.
بعض الأحداث تجبر كثيرين على حدّية الانحناء، ولكل واحدٍ منّا في هذه الحياة منحنيات جسيمة تجعله أمام خيارٍ واحد وصعب، وقد لا يختاره بإرادته لهول ما واجه أو ما فقد.
نختلف كثيرًا في موازنة الناس لرغباتنا وانفعالاتنا، وتتفاعل شخصياتنا نتيجة لخلطةٍ نفسية متراكمة من الواقع والخيال والفكر والتربية والخبرة، بالإضافة إلى قوة البناء النفسي بداخلنا وترابطه. فقد يكون أحدنا أكثر عطفًا لضعيفٍ جرّده الزمن من قوته، وآخر يقف متأمّلًا في أسباب هذا الضعف بعد تلك العظمة والعز، وآخر يقف شامِتًا، ولكلٍّ دوافعه النفسية التي حرّكت تلك العواطف وأثارت مكامن الحب والكره والعداوة.
ولكن، هل يمكن لمن كان شامِتًا بالأمس أن يكون متعاطفًا متألّمًا اليوم؟ والجواب: نعم.
هناك فارقٌ كبير بين اتجاهات العواطف وتأثرها وتغيّرها في منحنيات ظلّيةٍ يكاد يكون الإنسان حائرًا أمامها. لكننا لو تمعّنا في أسباب تعاطفها وكرهها، لوجدنا أن الصورة الخارجية، والرأي العام، والاتجاه العقلي الجمعي، تؤثر كثيرًا على حركة النفس. وإنما الأكثر صمودًا أمام المتغيرات هو العقل، وخصوصًا “العقل الحكيم الواعي”، فإنه أقدر على غربلة الحدث، واختيار الجزء العاطفي، وآخر القيمي، وآخر التدبّري، بما يجمعه من قوة الوعي عند الإنسان.
لا ينبغي للإنسان أن يتردد في دراسة أحواله ونفسه، وتعديل بوصلة حياته، وإصلاح المعوّج منها.
حُسن النية، والتسامح، والمحبة، والتواضع… كلها أمورٌ قيميّة وأخلاقية عالية، ولكن لا تُحسَن النية مع من تكرّر خطؤه، ولا تصحّ السذاجة في تحليل الأمور.
نعم، قد نصل إلى قناعة بكيفية علاج أو التعامل مع تلك الحالة، لكن اجعل ذلك بوعيٍ وبصيرة، فهذا يعني أنك تُبصر كيف تسير وكيف تتعامل مع الوضع، ولا تجعل سذاجة المنظور تغويك عن الانتباه واليقظة، وما أكثر ما يؤذيك محبّ ضعيف الإدراك والوعي.
وأخيرًا، فإن التغيير النفسي والتكامل العقلي ينبغي أن يُستفاد منهما في تقوية المعرفة العقدية، فهذه تجديدها وتمتينها بالمزيد من المعرفة والاطلاع والقراءة لتقوى وتشتد، وتصبح أكثر قدرة على مصارعة تحديات التهافت في الاتجاه الديني، ويستطيع الإنسان منفردًا أن يعيش بعقيدته دون اهتزاز، وإن اشتدت الرياح والأعاصير.



