أبواب مغلقة

الأطفال يملكون عيونًا أوسع من حجمهم، يلتقطون بها ما لا يخطر للكبار على بال. يكفي أن ينفتح باب في لحظة خاطئة، فيتسرب إلى تلك العيون مشهد مربك يربك الروح أكثر مما يربك العين. وقد يظن الأبوان أن الأمر لا يتجاوز فضولًا عابرًا أو مصادفة بريئة، بينما الطفل يعيش زلزالًا داخليًا. تخيّل لو أنه يكتب على وجهه نفس الدهشة التي نكتبها نحن عند رؤية فاتورة من الفواتير الضخمة والغير متوقعة كفاتورة كهرباء لا تشبه سابقاتها!
المأساة أن الطفل لا يملك لغة ليصف ما رأى، فيلجأ إلى تأويل داخلي مرتبك. قد يظن أن أحد والديه يتألم أو أن الآخر معتدٍ، وربما يتوهم أنه هو السبب! والكارثة أن خياله قد يبالغ كما يبالغ في رسم الوحش تحت السرير. وكم من طفل خبأ هذه الصورة في داخله كقنبلة نائمة، تُطلّ لاحقًا على هيئة كوابيس، أو تصرفات غريبة، أو حتى أسئلة من النوع الذي يربك الآباء أكثر من الامتحانات المدرسية.
الوعي لا يعني أن يتحول البيت إلى ثكنة عسكرية، إنما يكفي أن ندرك أن باب الغرفة ليس زينة، بل خط دفاع وستر. وما أسهل الحل أحيانًا: إغلاق واحد واعٍ كفيل بإنقاذ من محاضرات تربوية طويلة لاحقًا وحرج.
ولو حدث أن تعثر الطفل بالمشهد، فالحكمة لا تُجعل في الضحك أو التوبيخ أو حتى الإنكار، وإنما في الإصغاء والاحتواء. تخيّل الكارثة لو واجهته بعبارة: “ما شفت شي!” وهو يظن أنه رأى كل شيء. اسأله عمّا ظنّ أنه رأى، طمئنه، وامنحه فرصة ليبوح. الطفل الذي يُسمح له بالكلام يضع نصف الحِمل خارج قلبه. أما الذي يُكمم حديثه فيكبر وفي داخله ارتباك يشبه تحميل ملف ضخم على جهاز ضعيف.
ولكي نخفف من ثقل الطرح، تخيّل أن الطفل يكتب في دفتره أو ذاكرته: “اليوم رأيت أبي يهاجم أمي، لكنها كانت مستسلمة بابتسامة مربكة!”. مشهد مضحك ومبكٍ في الوقت نفسه، تمامًا كما لو رسم قتالًا بين سوبرمان وسبونج بوب! ضحكات صغيرة لا تنفي أن الحقيقة أعمق، وأن الطفولة تستحق أن تُحمى من هذه المفارقات المؤلمة.
الأبواب المغلقة احترامٌ لبراءة لا تفرّق بعد بين الحضن والوجع ونمط الحياة وفطرتها. إنها مسؤولية أن نصون الخيال النقي، فلا نسمح لصورة مارة وعابرة أن تزرع معاناة طويلة العمر. فالتربية في جوهرها صيانة أرواح صغيرة لا تحتمل صورًا أكبر من قدرتها على الفهم.



