بين التحزّب والعمل الجماعي.. من يخدم الجمعية؟

العمل الخيري وُجد لخدمة الناس، لا لخدمة الأسماء. ومع ذلك، تتسلل في بعض الجمعيات الخيرية مظاهر التحزّب التي تُفرغ الرسالة من معناها، حين يتحول مجلس الإدارة من ساحة تعاون إلى ساحة اصطفاف. وهي ظاهرة هادئة في ظاهرها، لكنها خطيرة في أثرها، لأنها تمسّ جوهر الثقة بين الجمعية ومجتمعها.
تبدأ القصة عادة من رغبةٍ مشروعة في التأثير، لكنها ما تلبث أن تتحول إلى ولاءات شخصية أو عائلية أو مناطقية، فيتوزع المجلس بين فريقٍ “مع الرئيس” وفريقٍ “ضده”، وتضيع مصلحة الجمعية في صخب الحسابات الصغيرة. ومع مرور الوقت، يصبح القرار محكومًا بالمواقف لا بالمصلحة العامة، وتغيب روح الفريق الواحد، وينشغل الأعضاء بالصراع على من يملك القرار بدل الانشغال بخدمة المستفيدين.
التحزّب لا يُقاس بشكله الخارجي، بل بأثره الخفي على الأداء. فحين تتعطل المشاريع، أو تتكرر الاجتماعات بلا نتائج، أو تتسرب الأسرار إلى خارج المجلس، أو تُفسَّر القرارات بحسن النية تارة وسوئها تارة أخرى، فاعلم أن “التحزّب” قد وجد طريقه إلى المؤسسة. ومتى ما وُجد التحزّب، غابت الشفافية، وضعفت المبادرة، وفقدت الجمعية قدرتها على النمو.
العمل الخيري لا يحتمل عقلية “التحالفات”، بل يحتاج إلى بيئة تتسع للرأي المختلف دون أن تتحول إلى خصومة. فالمجلس الناجح هو الذي يختلف في الفكرة ويتفق على الهدف، ومن يحتكم إلى الأنظمة لا إلى العلاقات. ولا يمكن حماية العمل الخيري من التحزّب إلا بثلاثة أسس: حوكمة واضحة، تداول نزيه للسلطة، ومساءلة علنية عن الأداء. فحين يعلم كل عضو أن قراره سيُقاس بنتيجته لا بولائه، تزول الحاجة إلى الاصطفاف، وتعود الجمعية إلى مسارها الصحيح.
المجتمع بدوره يتحمل جزءًا من المسؤولية. فحين تُختار الإدارات بناءً على المجاملة أو القرب الاجتماعي، لا على الكفاءة، فإننا نزرع بذور التحزّب بأيدينا. كما أن المتبرعين والجهات الداعمة عليهم واجب المتابعة والتقييم، لا الاكتفاء بالدعم المالي، لأن المال بلا رقابة يُغري بالمحاباة.
التحزّب داخل الجمعية ليس خلافًا إداريًا عابرًا، بل خلل أخلاقي وتنظيمي يُفقد المؤسسة احترامها ومصداقيتها. فالخلاف البنّاء يولد التطوير، أما التحزّب فيقتل الثقة ويحوّل الجمعية إلى كيانٍ منغلق على ذاته. والمؤسف أن المتضرر الحقيقي ليس المجلس ولا الأعضاء، بل المستفيدون الذين خُصص العمل من أجلهم.
إنّ العمل الخيري ينجح حين تتقدّم القيم على الأسماء، ويخبو حين تُقدَّم الولاءات على المبادئ. ولن تنهض الجمعيات الخيرية ما لم تتخلص من عقلية “المجموعة” إلى ثقافة “المؤسسة”، وما لم يُدرك الجميع أن خدمة المجتمع أكبر من كل الأشخاص والمناصب. فحين يتجرد العضو من ذاته، يعود الخير إلى معناه الأول: العطاء من أجل الله، لا من أجل الكتلة.



