ظنّ وأخواتها

يبدأ كل سوء في الحياة بخاطرة صغيرة تُدعى الظن؛ شرارة خفية لا تطلب برهانًا، وتكفيها نفس مضطربة أو مريضة لتشتعل.
ينشأ من غفلة قلب نسي طهارته الأولى، فصار يفسِّر الهدوء عتابًا وارتيابًا أو استعلاءً، والاختلاف خصومة، والتأني نفورًا.
الظن يسكن زوايا الرؤى الملتبسة، يتخفى في تأويل أو يختبئ في عبارة خرجت بعفوية فحمّلها أكثر مما تحتمل، ثم يُعيد تشكيلها على مقاس الريبة والارتباك والخوف.
هناك يفقد الإنسان صفاء نظره، فيرى العالم كما يتخيله لا كما هو، فتختلط عليه الحقائق، ويضيع المعنى بين ما قيل وما ظُنَّ أنّه قيل.
من بين صور الظن ووهمه، ترى الوهم حقيقة وتتمسّك به كما لو تحمي يقينًا صنعته في ذهنها.
وتلحق بها ما تحسبه، تدفع الإنسان إلى إصدار الأحكام قبل أن يعرف، فيظن أنّه يقرأ القلوب وهو يفسّر صدى ظنونه لا أكثر.
ثمّ تظهر حالته، تدفع صاحبها إلى الاعتقاد بأنه يفهم كل شيء من نظرة سريعة، ولو كانت تلك النظرة من نافذة سيارة تمضي مسرعة لا ترى من الطريق سوى الغبار.
كثُرت المنصات وتنوعت الصور والكلمات، فأصبح الظن ينتقل بين الناس بخفة لا يدركها وعي.
تتحول كلمة صغيرة إلى قصة طويلة مغايرة للواقع والحال، وصورة عادية إلى تفسير لا أصل له.
يمر أحدهم على جملة فيظن أنها تقصده، أو على ابتسامة أو ضحكة فيرى فيها سخرية عليه لم تُقَل ولم تكن تعنيه.
ثمّ تبنى على هذه الظنون مواقف وتقديرات وتأويلات، وتبدأ الحكاية من فراغ لتثقل الموازين.
وحين يُسأل صاحب الفكرة عن يقينه، يجيب مطمئنًّا: “الإحساس لا يخطئ.”
غير أنّ الإحساس حين يتغذى من الظنون والخوف، يرى العالم على صورته مقلوبًا لا على حقيقته الفعلية والحقّة،
فيحوّل الملامح إلى إشارات موجعة، والنية الطيبة إلى شك يُطفئ ويقتل الود.
وقد قرأت هذه الفقرة المنقولة فوجدتها شاهدة بليغة على معنى المقال:
“أنّ سوء الظنّ كثيرًا ما يبدأ من مشهد ناقص لا يُرى كله:
امرأة تجلس إلى جوار سائق التاكسي والمقاعد الخلفية فارغة، فيُحاك في الذهن حكاية كاملة.
ورجل يمر أمام المسجد والناس يصلّون، فيمضي دون أن يُصلّي، فيُدرج في قائمة المتهاونين.
وآخر سلمت عليه فلم يجب، فظننته متكبرًا أو متجاهلًا.
بينما الحقيقة أنّ الأولى زوجة السائق، والثاني قد صلّى في مسجد آخر، والثالث لم يسمعك أصلًا.
قال أحد العلماء: «لو رأيت أحدًا وشممت منه رائحة الخمر، لقلت لعلّها سُكِبت عليه، ولو وجدته يقول: أنا ربُّكم الأعلى، لقلت لعلّه يقرأ آية من القرآن.»
ففي أكثر الأحيان، لا نرى من الصورة إلا جزءًا صغيرًا، فلنُكمل الجزءَ الآخر بخيال كريم لا يظلم أحدًا.”
وهكذا يعمل الظن في الناس عمل النار في الهشيم، لا يُرى دخانه في البداية، لكنه يترك أثره في كل علاقة تمرّ بقربه.
الظن يُضعف الروابط في هدوء خفي لا يُدرك في بدايته.
يتسلّل بين الزوجين فيحوّل الاطمئنان إلى حذر مستمر، والمودة إلى حساب دقيق لكل نظرة وكلمة.
يشعل الخلاف من إشارات لم تُقصد، ويزرع المسافة في بيت كان عامرًا بالسكينة.
وحين يتمكن، يجعل الصديق يتراجع خطوة، والرفيق يتوارى خلف الأسئلة، حتى يصبح البُعد عادة لا تُراجع.
وما إن يستقر في النفوس، حتى يظن كل طرف أنّ الآخر تغيّر، بينما الذي تغيّر هو شعورهم بالأمان.
يتخفى في التفاصيل الصغيرة، يعمل بصمت وهدوء كريح تغيّر الاتجاه دون أن تُرى.
النجاة من الظن تكون حين يتزن الشعور، فيعرف الإنسان متى يُصغي لحدسه ومتى يتركه جانبًا.
فالقلب النقي لا يُنكر حذره، لكنه يضبطه حتى لا يتحوّل إلى جدار يحجب صفاءه.
والعقل الواعي يمنح الآخرين فرصة للتعبير قبل أن يُحاكمهم بخياله وظنونه.
من يبتغي طمأنينته، فليحمل حسن الظن كما يحمل الماء في كف حذرة تخاف أن تفقده، لأنّه أثمن من كل ما يُصان.
فإذا وجد الظن طريقه إلى القلب بلا وعي أظلمه، أمّا إن بقي على العتبة، أبقى للقلب صفاءه وللروح سلامها وابتعد عن ظنٍّ وأخواتها.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾



