أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

توقيع على السحاب

حسين المحروس · القطيف اليومالسبت 22 نوفمبر 2025، 3:00 م
توقيع على السحاب

لا يكاد ينتهي الجدل حول ماهية الفوتون (والجسيمات الذرية الأخرى بشكل أعم) أهي موجة أم جزيء؟ وحتى نفض الاشتباك, أريد أن آخذك معي في رحلة قصيرة إلى داخل مختبري المتواضع. رائحة المواد الكيميائية تملأ المكان، والأضواء خافتة، بينما على الطاولة التي على يمينك يوجد صندوق زجاجي بغطاء معدني رقيق. قلت لأبي خالد: “اليوم سنحاول أن نجعل الإلكترون يترك توقيعه الخاص داخل هذا الضباب.” تعلم انه منذ بداياتنا العلمية ونحن نقرأ أن الجسيمات الكمومية لا يمكن ان تُرى بالعين المجردة، لكن غرفة السحابة هذه ستكون بمثابة الممر السري الذي سوف يسمح لنا بالعوم الى أعماق العالم الكمومي.

لنبدأ التجربة معًا. غرفة صغيرة شفافة ملأناها ببخار مادة كحولية باردة جدًا، فحصلنا على وسط فوق المشبع ينتظر أي اضطراب ليتكاثف عليه. نحتاج إلى جسيم كمومي, مثلا, إلكترون منفرد. لكن من أين سنأتي به؟ بسيطة, نصل الجهد بين قطبين كهربيين، فيُسحب الإلكترون كأنما نقذف بكرة لتتدحرج من أعلى الجبل، ستزداد سرعته مع كل فولت (فرق جهد) نضيفه. هكذا حصلنا على إلكترون بطاقة عالية، وهو مستعد لترك أثره بمجرد مروره من خلال هاتيكم الوسط السحابي الضبابي الرقيق, مما سيسهل علينا دراسة توقيعه وتفحص بصمته.

أطفئ الأضواء يا أبا خالد، واترك فقط شعاعًا جانبيًا خفيفا حتى يتسنى لنا الكشف لما بداخل الصندوق. اضغط زر الإطلاق, فسيدخل الإلكترون بسرعته الهائلة. واقعا, نحن لم نر الإلكترون نفسه، لكنه بدأ فجأة برسم خيط رفيع من قطرات الندى داخل الضباب، مسارًا مستقيمًا يقطع السحابة كأنه خط قلم شفاف. ولكن بالرغم من ان الخط الذي قد ارتسم للتو لم يكن هو “الإلكترون” عين ذاته، ولكن بذلك نستطيع ان نستخلص سلسلة من النقاط التي تكاثف عليها البخار بعد أن أيّن الالكترون الجزيئات المحيطة به حال عبوره اللحظي السريع. كل نقطة اصطدام واشتباك هي فرصة ذهبية للحصول على قياس صغير، للإلكترون حال مروره بينما هو يتصرف ويتجلى ويتمظهر كجسيم.

وهنا تكمن مفارقة عجيبة! فقبيل دخول الالكترون للغرفة السحابية، كان يتألف من موجة احتمالات، بمعنى كونه حالة كمومية موزعة على الفضاء؛ فاقدة للشكل، ممتنعة لتحديد أي مسار بعينه، منحصرة فقط في بروز حزمة من الاحتمالات والامكانات. ولكن ما إن يمر عبر الوسط الضبابي، حتى يتغير المشهد بصورة دراماتيكية حيث تترادف سلسلة متتالية من الانهيارات (حالة من تهشم التوقع على سندان الواقع). وبالنتيجة فان كل اصطدام مع جزيء كحول يحدّد لحظة وجود زمكاني للإلكترون على هيئة نقطة بعينها، ثم نقطة أخرى، وأخرى, وهذا ما نراه انا وانت يا أبا خالد كخط متصل. هذا الخط هو ترجمة وافصاح لتاريخ من الانهيارات الواقعية، تبصيم للحظات التي أجبرت البيئة فيها الإلكترون على أن يتصرف كجسيم كلاسيكي. لذلك، في غرفة السحابة لا نرى الموجة، بل نلمس آثار القرارات التي اتخذها العالم الكمومي لحظة بلحظة, من باب الأثر يدل على المؤثر.

بادرني أبو خالد, أين اذن هي سحابة الاحتمالات التي صدّعتم رؤوسنا بها؟ اولم تكن يوما الإلكترونات “كغيمة” حول النواة؟
احسنتم, ما ذكرتم هو فعلا ما قد تصورناه كوجود في الذرات الثابتة, التي تظهر خريطة الاحتمال كغيمة رياضية. لكن هنا الامر مختلف تماما، اذ نحن في خضم وسط مليء بجزيئاتٍ تتصادم مع الإلكترون كل جزء من مليار من الثانية، حتى يحدث ما يسمى “بفقدان الترابط”. بلهجة عامية ان البيئة هي من يمزّق الموجة، ويحوّلها إلى سلسلة نقاط. كأنك تحاول أن تحلم في غرفةٍ يصرخ فيها طفل مزعج, طبعا لا تستطيع الاحتفاظ بحالتك الحلمية؛ فتُجبَر اذن على اليقظة. كذلك الإلكترون هنا مضطر على أن يتصرف “كجسيم” في كل لحظة تصادم، وكنتيجة لا تظهر السحابة الموجية الالكترونية، بل هاهو يرتسم لك خط رفيع واضح وجلي من مسار الالكترون النقطي من داخل رحم الضباب الكحولي.

وكما تكشف غرفة السحابة في تجربتنا السلوك الحقيقي للجسيم، وتُسقط عنه "قناع" الموجة الذي كان يختبئ خلفه، كذلك الإنسان لا يُقاس بما يحاول ان "يتقنع" به، انما بما يترك وراءه من أثر ومنفعة (فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض). المظهر يشبه سحابة الاحتمالات, قد يخدعك، وقد يشتتك، وقد يقدّم لك صورة غير واقعية بل وغير دقيقة. أما السلوك الحقيقي فهو لحظة الانهيار الواقعي، مشمولا باللحظة التي تتجلى فيها البنية الداخلية للشخص كما هي هي. لا يستطيع الفرد (تماما مثل الإلكترون) أن يخفي جوهره حين يدخل “وسطًا” جديدا, فلرب موقف، أزمة، كلمة، تعامل، أو امتحان صغير يكون كفيلا بإظهار معادن البشر. عندها فقط سيتجلّى لك ما كان محتجبًا خلف موجة الصورة الظاهرية للناس.