إدارة الاختلاف حول المسائل العمومية

إدارة الاختلاف حول المسائل العمومية ليست مجرد موضوع أكاديمي، بل هي أسلوب تعامل يومي يؤثر على حياتنا وتفاعلاتنا مع الآخرين. مسببا لنا الكثير من التحديات والعقبات التي تجعل أمزجتنا والكثير من قراراتنا معلقة على أطراف من نلتقيهم، ونتناقش معهم في أمور حياتية مختلفة، مثل محبتنا أو كرهنا لحدث أو شخص أو مشروع أو علاقة، وموقفنا من هذه القضايا أو الأمور المطروحة بين أفرقاء الحوار.
وجود أفكار وآراء مختلفة حول موضوع معين، أراه أمرًا طبيعيًا، ورائعًا أن يحدث التباين في الرؤى بين الناس. لكي يكون الاختلاف إيجابيًا، يجب أن يكون الأساس الذي ننطلق منه الرغبة في إثراء النقاش وتطوير الحوار. علينا أن نكون قادرين على الاستماع والإصغاء إلى آراء الآخرين واحترامها، كما علينا أن نهيئ أنفسنا لتغيير آرائنا إذا كانت لدى الأطراف الأخرى أدلة دامغة وحجج صائبة وقوية تدفعنا إلى ذلك. وإلا سوف يصبح التعنت سببًا لنشوء التصادم غير المبرر.
مصدر التباين نابع من تعدد الثقافات والتجارب والقيم والمعتقدات لكل أطراف الحوار. فتطوير الحوار البناء يساعدنا على توليد أفكار جديدة ومبتكرة، وفهم أوضح عن الموضوع المطروح للنقاش، بشرط أن يكون الحوار بناءً، وبطريقة هادفة وهادئة. هذا النوع من النقاش يساعد على التفكير النقدي المثمر، ويطور قدراتنا الفكرية والإبداعية.
كما يفترض أن يكون الاختلاف سببًا في تعلمنا روح التسامح، والاحترام لآراء الغير، وخصوصًا تلك الآراء التي من شأنها تحفيزنا للأفضل، والتي من شأنها إكسابنا ليس معارف جديدة وحسب، بل تفتح لنا نوافذ كنا نظنها مغلقة، أو مستعصية على الفهم. إنما على العكس تمامًا، فذلك النوع من الحوارات يضيف إلينا المزيد من العمق والإدراك من خلال الإنصات الرزين لتجارب المتحاورين.
الاختلاف في وجهات النظر كما يقال نعمة، وفسحة زودتنا بها الحياة، فنحن جميعًا متفقين على أن الاختلاف أمر طبيعي وحيوي، بل هو جزء من حياتنا وتكويننا الطبيعي، فهو يوفر أداة وفرصة للتعلم والتقارب فيما بيننا. ولكن هناك في مجتمعنا من الناس الذين لا يقيمون وزنًا لآراء الآخرين، بل يكون احترام النقاش آخر أولوياتهم، والبعض الآخر لا يكتفي بتهميش الآخرين أو محاورتهم باللين، بل يزيد عليها بالصراخ ورفع الصوت، والمبالغة في الانفعال، إلى درجة وصوله لمرحلة لا يمكنه فيها التحكم في تصرفاته، ولا وضع كنترول على كلماته، مستخدمًا ألفاظًا فظيعة نابية، ومحولًا النقاش إلى اتهامات شخصية، مما يجعل الشخص أو الأشخاص الذين أمامه فريسة سهلة للضياع، لا يعلم مقدار الإذابة النفسية التي يسببها لهم.
يحصل لنا جميعًا تقريبًا من تسبب في أذيتنا والتعدي على مشاعرنا بسبب التعنت وفرض الرأي، هناك من النماذج التي نتحاور معها تطلق العنان لفرض آرائها بصورة تهكمية، ولا تعطي فرصة للطرف الآخر بأبداء رأيه، وتهميشه، ولا تكلف نفسها للاستماع إليه، وتقوم بذلك الفعل بأساليب متعمدة، وتحول الطرف الآخر إلى خصم لدود، بدافع التقليل من مكانته الشخصية والنيل منه بطريقة التسخير والتحقير.
"لقد حضرت ذات يوم ندوة نقاشية أدبية، تحدث فيها بعض المثقفين، وأنصاف المثقفين، وعندما أتى الدور على متخصص في الشأن الثقافي، حاول البعض عنوة التقليل من شأنه، بل وساد بعض الهرج أثناء مداخلته، مما اضطره للمغادرة، يجر وراءه شعورًا حادًا بالخيبة".
تلك الأمثلة كثيرة، ومتعددة الأوجه، عانينا منها في مراحل مختلفة من حياتنا الاجتماعية والأسرية، وأزعم هنا من تلك الممارسات شكلت جزءًا لا يستهان به من شخصيتنا، وفرحنا وتعاستنا، وجعلت البعض ينكفئ على نفسه، ووضعت القسم الآخر على طريق التحدي والمواجهة.
تحضرني قصة أحد المعارف، الذي لم يسمح له والده التعبير عن نفسه، وإلصاقه به تهمة الفشل، وقلة الأدب، إلى أن أصبح منبوذًا في غرفة ضيقة في منزلهم، إلى أن حان وقت تمرده، لم يعد الشخص إلى وضعه الطبيعي إلا بعد سنوات طويلة من المعاناة، هنا يبان الحوار المرتبط بطبيعة الحال بالسلوك والتربية.
الطريقة العدوانية في النقاش لا تتسبب في تدهور العلاقات بين الأصدقاء والأصحاب وهدم الروابط الأسرية فقط، بل يمتد أثرها إلى فقدان الاحترام والتقدير وتقويض القدرة على التواصل الفعال.
"سألت ذات يوم صديقًا لم أرَه لفترة طويلة، لماذا لم أرَك منذ زمن بعيد، هل أحوالك على ما يرام؟ فأجاب والأسى يملأ صدره: الجلوس في المنزل خيرًا من الجلوس مع أناس همهم تحطيمك، وتشويه سمعتك". فقلت: "ولكن سمعتك ناصعة البياض، ونحن نحترمك!". فقال وهو يودعني بلطف: "البيت أستر لي، بعيدًا عن مشاكل الناس!".
هذا الجواب في رأيي لا يعبر إلا عن انسحاب اجتماعي بفعل طريقة الحوار والمعاملة السيئة من قبل بعض الذين نطلق عليهم أصدقاء. الحل لا يكمن في الانسحاب والعزلة الاجتماعية، بل في فهم آلية العلاقات البشرية المعقدة، فنحن البشر لسنا تركيبات جسدية ونفسية متماثلة، بل كل منا له عالمه الخاص به، ولكن تجمعنا خصائص سلوكية مشتركة، تقترب تلك السلوكيات من التماثل في دائرة المجتمع المحيط بكل فئة من الناس، مما يخلق انطباعًا بأحقية سيادة تلك السلوكيات والحفاظ عليها واجبًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، والمساس بأركانها يعتبر كنوع من التعدي على نسيجها.
فمثلاً، احترام الصغار للكبار والإصغاء إلى ما ينقلونه من حكم تجاربهم يعبر عن عظيم الامتنان لمشاعرهم وتضحياتهم، ولكن الأمر قد تغير الآن، فلا يعدو ذلك النوع من التقدير إلا كونه من التراث. فهل يعني هذا غياب ثقافة الاحترام، وسيادة تعظيم الذات، وتكبير الأنا المفرطة في الظهور؟ بالتأكيد لا أقصد ذلك، فنحن مجتمع يختزن الكثير من التراث الفكري والحضاري، وتسود بيننا علاقات الألفة والمحبة، ولكن لا يزال هناك نقص في الاهتمام بنموذج العلاقات التسامحية في نقاشاتنا اليومية، فيغيب عن أذهاننا المستوى التعليمي الذي وصله أبناء المجتمع، والنضج الفكري والعاطفي للغالبية المتعلمة، بحيث أصبح التعامل المنصف، والاحترام المتبادل، والتقدير شرطًا حضاريًا للألفة والانسجام.



