أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من يصنع العقوق؟ (قصة)

حسن عرقان · القطيف اليومالأحد 5 أبريل 2026، 8:01 ص
من يصنع العقوق؟ (قصة)

قصصٌ كثيرة تمرّ بنا، منها ما يبهج القلب، ومنها ما يثقله. نسمعها في مجالسنا، ونقرأها في شبكات التواصل، في الكتب، لكن أصدقها تلك التي تُروى من صاحبها... بصوته، بألمه، وبذاكرته التي لا تنسى.

أحد الخطباء النبلاء كان يتحدث من على منبره خلال كلمة بعد صلاة الظهرين، وكان حديثه عن عقوق الأولاد لآبائهم. وتطرّق لمجمل الموضوع وأثره على المجتمع وأسبابه. وهذا ليس موضوعنا الآن، لكن ما استوقفني لم يكن الطرح نفسه، بل تلك الفكرة التي بدت صادمة:
هل يمكن أن يكون الوالدان سببًا في عقوق أبنائهم؟
سؤالٌ أثار دهشتي... حتى سمعت القصة.

يقول الشيخ:
في أحد الأيام، ذهبت إلى مجلس الآباء في المدرسة لمتابعة مستوى الأبناء. كانت الصالة منظمة، والمعلمون يجلسون خلف طاولات، والآباء يصطفون للحديث معهم.

وقفت في الطابور، وكان أمامي أبٌّ مع ابنه الصغير. لفت انتباهي أسلوبه الهادئ، وطريقته اللطيفة في الحديث مع طفله. كان يُصغي له، يبتسم، ويعامله باحترامٍ لافت، رغم صغر سنه.

لم أتمالك نفسي، فقلت له:
ما شاء الله، أحسنت تربية ابنك.
ابتسم شكرًا.

حين جاء دوره، جلس ووقف الابن أمام المعلم، وصافحه بخجل. راقبت المشهد بإعجاب؛ الأب يسأل باهتمام، والمعلم يجيب بإيجابية:
ابنك مجتهد، مؤدب، ومحبوب بين زملائه.
كانت ملامح الفخر واضحة على وجه الأب، والفرح يلمع في عيني الطفل.

انتهى اللقاء، وهمّ الأب بالمغادرة، لكن المعلم استوقفه:
ألم تسأل عن ابنك (أسعد) في الصف السادس؟ أنا أدرّسه أيضًا.
في لحظة... تغيّر كل شيء.
انطفأت ملامح الأب، وانحنى رأسه قليلًا، ثم قال بهدوءٍ ثقيل:
ليس ابني... هذا هو ابني.
وأشار إلى الطفل بجانبه.

ساد صمتٌ مربك، واعتذر المعلم عن اللبس، ثم انصرف الأب ممسكًا بيد ابنه.
بقي المشهد عالقًا في ذهني.
جاء دوري، وجلست أتحدث مع المعلم، لكن ذهني كان منشغلاً بهذا الموقف.
بعد انتهاء اللقاءات، التقيت به في ركن الضيافة. ترددت قليلًا، ثم سألته بلطف عن الموقف.
توقف عن شرب قهوته، وزفر طويلًا، وقال:
نعم... هو ابني. وهذا أخوه... لكن من أم أخرى.
نظرت إليه منتظرًا التفسير.
قصتي معه بدأت منذ كان في الخامسة من عمره.
سألته:
لابد أن الأمر كبير لتقول عنه إنه ليس ابنك.
هزّ رأسه وقال:
انتهى كل شيء منذ زمن... حتى إن هذا لا يعرف ذاك، وذاك لا يعرف هذا.
قلت له بحذر:
ولكنه يظل ابنك، وربما تظلمه بتصرفك هذا، وتجرّه إلى العقوق.
ضحك ضحكة استنكار وقال:
أجرّه إلى العقوق؟ أنا؟ لا...
ثم صمت..
بدأت عيناه تتجولان في المكان، وكأنه لم يعد هنا. كأنه عاد إلى مكانٍ آخر... زمنٍ آخر.
همس:
"سامح الله من حرمني منه...
كررها... مرةً تلو الأخرى، حتى امتلأت عيناه بالدموع، التي قاومها بصمت.
استأذن مني للمغادرة، فقلت له:
إن سمحت لي أن تقصّ عليّ قصتك، لعلّي أساعدك بشيء.
تردد قليلًا، ثم وافق.
جلسنا جانبًا، وأرسلنا أبناءنا للعب.
أخذ نفسًا عميقًا، وقال:
يسعدني أن تستمع لقصتي، ولكن دون أن أطلب منك المساعدة، لأنها انتهت.
قاطعته قائلاً:
ولماذا هذا الكلام؟ لكل مشكلة حل.
أخذ نفسًا عميقًا وقال:
سأختصر لك الأمر حتى لا نتأخر.

بدأ حديثه:
بدأت الحكاية بمشاكل بسيطة... تجاهلناها، حتى كبرت. أصبحت الحياة بيننا لا تُحتمل. حاولت الإصلاح، لكنها طلبت الطلاق. رفضت... من أجل ابني.
لكنها أصرت.
غادرت المنزل، وأخذته معها إلى بيت أهلها.
حاولت أن أتفاهم مع والدها، لكنه قال لي ببرود:
هي لا تريدك.
مرت الأيام... ثم مُنعت من رؤية ابني. حتى صوته حُرمت منه.
كنت أشتعل شوقًا... ولا أستطيع فعل شيء.
ثم جاءتني صدمة أخرى: جلسة خلع في المحكمة.
حضرت... وانتهى كل شيء.
سنوات مرت... وأنا أبحث عن لحظة لقاء، عن فرصة، عن أي شيء يعيد لي ابني... دون جدوى."
توقف قليلًا... ثم تابع بصوتٍ مكسور:
حتى جاء ذلك اليوم...
تنهد بعمق، وكأن الذكرى ما زالت حية:
في ليلة القرقاعون، كنت أسير بين الأطفال... وفجأة رأيته.
ابني، إنه ابني (أحدث نفسي بفرح).
ناديت اسمه...
التفت.
نظر إليّ...
ثم ... تغيّر وجهه.
خوف... ارتباك... تراجع خطوة إلى الخلف.
اقتربت منه بسرعة، وكأنني أخشى أن يختفي، وقلت:
أنا أبوك... تعال...
فتراجع أكثر، وصاح:
لا تقترب! أنت مجنون!
سكت الأب، وكأن الكلمات تخنقه.
ثم أكمل بصوتٍ مرتجف:
تجمدت في مكاني... لم أفهم.
قلت له:
أنا أبوك... من قال لك هذا؟
فنظر إليّ بعينين خائفتين وقال:
أمي تقول إنك مجنون... وتريد إيذاءنا...
هنا...
سقطت كلماته كالصاعقة.
خفضت رأسي ولم أكن بعدها سماع شيء من حولي...
تركت يده...
لم أستطع الإمساك به أكثر.
شعرت بشيءٍ ينكسر في داخلي... شيء لا يُجبر.
رفعت رأسي للسماء، وقلت:
حسبي الله ونعم الوكيل...
وعندما فتحت عيني...
لم يكن هناك.
رحل...
وكأنني لم أكن يومًا في حياته.
ساد صمت طويل.

قال الشيخ:
لم أجد ما أقوله... سوى أن أدعو الله أن يجمع شملهم، وقلت له: لعل هذه هي فرصتك، هنا بالمدرسة تقرب إليه، اسأل عنه، كن أنت المبادر... لا تكن سبباً في قطع الرحم، وطريقاً إلى العقوق..
ثم سألته:
هل يمكن إصلاح الأمر؟
أجاب بهدوءٍ غريب:
انتهى كل شيء...
تعلمت أن أعيش بدونه.
ورزقني الله بزوجة صالحة... تربي أبناءها على البر.

انتهت الحكاية ... وآن للسؤال أن يقال:
حين يكبر هذا الطفل وهو يسمع عن أبيه أكثر مما رأه، ويُلقن بالخوف منه قبل أن يعرف حنانه، فهل يكون عاقاً حين يبتعد عنه؟

وهل هذا الأب الذي حرم من ابنه يصبح ضحية العقوق؟ أم ضحية لقرارات صنعها الكبار بينما كان الطفل أصغر من أن يفهم؟
من يصنع العقوق؟