أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المخلفات البحرية…هل تستحق منكم إعادة التقييم؟

حسين المحروس · القطيف اليومالإثنين 11 مايو 2026، 4:18 م
المخلفات البحرية…هل تستحق منكم إعادة التقييم؟

أنا لست متخصصًا في الصناعات البحرية، ولا خبيرًا في تدوير المخلفات الحيوية، لكنني وددت ان اراجع مع القارئ الكريم والقارئة الكريمة, بعض الاطروحات من باب التأمل والعصف الذهني. لعل أهل الاختصاص يرون في هذا الطرح بذرة تستحق الدراسة المعمقة والتمحيص والتدقيق. فالبحر الذي أودع الله فيه هكذا تنوع هائل من الحياة, لا يمكن أن تكون بقاياه ببساطة مجرد مواد مهدورة بلا أدنى اعتبار. بل على العكس تماما, فلربما تحمل هذه المخلفات في بواطنها موادا مفيدة لم نحسن بعد كمال استثمارها.

والدي رحمه الله كان سماكا, وفي كل صباح تستقبل أسواق الأسماك في القطيف كميات هائلة من الصيد البحري. يصاحب عملية تنظيف الأسماك والروبيان تكدس مقادير ضخمة مما نسميه اصطلاحا «فضلات» أو «مخلفات» بحرية. رؤوس السمك وعظام وأحشاء وقشور الربيان ومياه عضوية تختلط بروائح البحر, وكل ذلك يذهب سدا. ليس مستغربا ان تنقل هذه المواد إلى مكبات النفايات لكونها عبئًا بيئيًا يجب التخلص منه بأسرع طريقة ممكنة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هنا: هل هي فعلًا نفايات عديمة القيمة؟ أم أننا الفنا ان ننظر إليها بعين الاستهلاك, لا بعين العلم والاقتصاد والتدوير؟

في بلدان كثيرة يتم استغلال المخلفات البحرية ايما متاجرة, ولربما يوجد الان في بعض مناطق المملكة (مما لم اطلع عليه) من يعيد تدويرها, ايضا. الأسماك وقشور الروبيان والمحار، تحتوي على نسب مرتفعة من البروتينات والمعادن والكالسيوم والزيوت الحيوية. ولهذا تُستخدم لإنتاج مسحوق السمك، وهو علف عالي البروتين يدخل في تغذية الدواجن والمواشي وتغذية مزارع الأسماك, نفسها. من هنا تتحول المخلفات من كونها أعباء بيئية إلى مصدر غذائي يدعم الأمن الغذائي ويخفض تكلفة الأعلاف المستوردة.

مهلا! لا يتوقف الأمر عند الأعلاف فقط، بل إن هذه المخلفات البحرية يمكن أن تتحول أيضًا إلى أسمدة عضوية غنية بالنيتروجين والفوسفور والكالسيوم والعناصر الدقيقة التي تحتاجها التربة الزراعية. فبدلا من أن تقبر في النفايات، يمكن إعادة تدويرها في مزارع القطيف لتعود إلى الأرض على هيئة سماد يحسن خصوبة التربة ويغذي النباتات بطريقة طبيعية. وكأن البحر هنا لا يطعم الإنسان فقط (وتستخرجون منه لحما طريا)، بل ها هو أيضًا يشارك في إحياء الأرض من بعد موتها.

أما الجانب الأكثر إثارة للتأمل، فهو ما يتعلق بالكالسيوم الموجود في العظام والأصداف البحرية. فهذه المواد تحتوي على مركبات من قبيل كربونات الكالسيوم وفوسفات الكالسيوم، التي تدخل في صناعات واسعة النطاق، من بينها (وياللغرابة!) مواد البناء والإسمنت وبعض الخلطات الخرسانية والمواد العازلة. بل إن بعض الدراسات الحديثة تتجه لاستخدام الأصداف البحرية المطحونة كبديل جزئي لبعض المواد التقليدية في الانشاءات، في محاولة لتقليل الهدر والانبعاثات البيئية, من خلال تحويل المخلفات الحيوية إلى مواد صناعية نافعة وصديقة للبيئة.

وكما تعلمون، فان المنتجات البحرية أصبحت اليوم تتغلغل حتى في الصناعات الدوائية والطبية، اذ يستخلص منها الكولاجين البحري، وزيوت الأوميغا-3، والكيتين والكيتوسان المستخدمان في عديد التطبيقات الطبية والبيئية التي يصعب حصرها. لعلك قارئنا العزيز تدرك الان ان ما كنا نسميه «فضلات» أصبح (بعد تبديل العدسة وزاوية النظر) موادا خاما تنتظركم يا خريجي القطيف الجدد المتحمسين للمشاريع الواعدة. أنتم هم من يحمل الشهادات التي ترفع الراس عاليا, ولكم عقول علمية منفتحة, فبإمكانكم ان تعيدوا استرداد قيمة هذه المواد البحرية وتستخرجوا منها الفوائد الانسانية والبيئية والاقتصادية المتنوعة.

هذه الومضة لا تنحصر في تنشيط فكرة إعادة تدوير النفايات، بقدر ما هي إعادة تعريف ادق لمعنى “المخلفات” نفسها. فالعقل البشري حين ينظر إلى الأشياء بعين الوعي يرى أن كثيرًا مما نطرحه بعيدًا عنا ونسعى للتخلص منه, قد يحمل في نواته قيمة اقتصادية وبيئية وعلمية مهدورة. وربما يأتي يوم فتتكامل فيه سوق السمك في القطيف من مجرد أماكن للبيع والشراء، الى مراكز لإنتاج الأعلاف والأسمدة والمواد الصناعية والطبية، ضمن اقتصاد دائري مترابط لا يهدر شيئًا مما خلقه الله في جوف هذا البحر العظيم. فالكون في كينونته لا يعرف للعبث طريقا، ولعل المعضلة تكمن في الإنسان نفسه, فهو الذي يعجز أحيانًا عن إدراك الرؤية القيمية لما حوله من نعم.