وفاء في ساعة وداع

اللفتة النبيلة التي قام بها أستاذنا العزيز “سلمان العنكي”، أحد الكتاب الضالعين في «الرائدة القطيف اليوم» وغيرها، وواحدٌ من وجهائنا الكرام، تستحق أن نتوقف عندها كثيراً، وأن نتعلم منها. وذلك حين تقدم، وأمام ذلك الحشد الغفير من المؤمنين الذين حضروا للصلاة وتشييع حرمه المصون، ابنة خالتنا المؤمنة الجليلة أم علي ـ رحمها الله ـ فوقف أمام نعشها مؤبناً بكلمات خرجت منه بسلاسة وثقة، ملؤها الاعتزاز والعرفان.
حقيقةً، لا أدري كيف امتلك هذا الرجل كل تلك الشجاعة، وقد فقد للتو رفيقة دربه التي أمضى معها خمسين عاماً، ويكون في تلك اللحظة الثقيلة متماسكاً أمام الجميع، وهو يودع شريكة العمر في ظرف صحي طارئ لم يكن في حسبانه أن يكون المشهد الأخير من مشاهد الحياة الدنيا معها.
كنت أتأمل قسمات وجهه التي كانت تغالب الحزن والحسرة، وهو يتقدم بثقته المعهودة وشجاعته الهادئة، وكأنه يؤدي ديناً من الوفاء، ويقدم شهادة عرفان مستحقة بحق امرأة شاركته رحلة العمر، وقد قال كلمات يحق لها أن تُدرس، لما حملته من صدق الشعور، وسمو المعنى، وجميل العرفان.
أعرف الرجل عن قرب منذ صغرنا، وهو الأمين الصادق كما عهدناه دائماً، كما أعرف ابنة الخالة، تلك المرأة التي أجزل شريكها الثناء عليها، وأضاف ما لم نكن نعرفه عنها كثيراً، وما شكلته في أسرتها الكبيرة، وفي منطقتها التي سكنتها بعيداً قليلاً عن مسقط رأسها القديح.
ويكفينا ذلك المشهد المؤثر لأحفادها الكثر ـ حفظهم الله ـ أولئك الصبية الذين لم تفارق صورتهم عيني أخيكم كاتب هذه الكلمات، وهم يغتسلون بالدموع، مستندين إلى أكتاف بعضهم بعضاً، بين ارتفاع النحيب، واجتراع الحسرة، ومتابعة نعش الفقيدة وهو يغادر بجثمانها إلى مسكنها البرزخي الآمن برحمة الله ورضوانه.
أعود فأقول: شكراً يا أبا علي، فقد قدمت لنا درساً لافتاً في الوفاء، ووقفةً لن تُمحى من الذاكرة، وأنت تفقد أعز من جمعك القدر بها، وشكلت معها ثنائياً أسرياً فريداً، كان ثمره أولئك الأبناء والبنات الكرام الذين انتهجوا نهجكما، واستقاموا ـ ولا يزالون ـ على الطريق السوي الذي مهدتماه لهم، بعد أن نهلوا من مدرستكما التربية والفضيلة والعلم، فأصبحوا رجالاً وسيدات نفخر بهم نحن الأقارب، كما تفخر بهم القديح وبأمثالهم ممن تحتضنهم بلدتنا الوادعة بحنانها المعروف.
رحم الله العزيزة أم علي، وربط على قلوبكم جميعاً، وعلى قلب والدتها أم حبيب ـ حفظها الله ـ تلك المرأة العظيمة التي أنجبت “المعصومة” أم علي، والأبناء والبنات الأفاضل والفاضلات، والأحفاد والحفيدات الذين ساروا على الجادة نفسها.



