أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

انتظامٌ بلا عقل… وعقلٌ بلا انتظام

حسين المحروس · القطيف اليومالجمعة 5 يونيو 2026، 11:55 م
انتظامٌ بلا عقل… وعقلٌ بلا انتظام

بعيدا عن الفلسفة في العنوان, وبلغة متناولة بسيطة, اطلب منك قارئنا العزيز ان تتأمل معي هذه الظواهر الطبيعة, ربما تنتابك بعضا من الأسئلة التي شغلت فكري.
إذا ما صادفت يوما طيورا وهي تشقّ الهواء في أسرابها داخل “منظومة”، هل استفهمت عمن يدير هذه المنظومة؟ ذات الشيء ينطبق على تشكيلات الأسماك حين تنساب في الماء هل تدرك تلك المجموعات أنها تتبع “قانونا حيّا”؟ ماذا عن الحشرات حين تتقاطع في فضاءٍ ضيق كيف لها ان لا تمتلك هاجس الاصطدام ببعضها ككلمة من ضمن قاموس حياتها؟

هل انغرزت في هذه الموجودات فطرة الله وتملكت فيهم هدايته على المستويين الفردي والمجتمعي, ام ان حركتها وشئون حياتها محكومة ومنسقة من خلال جنود الله سبحانه وتعالى؟ (ولا يعلم جنود ربك الا هو).
تنسيق وحكمة الاهية تختصر المسافة بين القانون من جهة وبين الدقة في تطبيق ذلك القانون، حتى تلاشت الفجوة بين “ما يجب أن يكون” وبين” ما هو كائن” فعلا. إنه من أوضح صور التجلي للانتظام بلا تفكير, انتظام لا يتردد بين البدائل والخيارات, انتظام مجبول على الهداية من الله.

"شوية زووم ان" لنتأمل العالم الصغير, فيما هو داخل المادة, على مستوى الذرات (الكم). فبالرغم من صمتها البارد، هي ايضا لم “تختر” مداراتها، فهي مسلوبة الإرادة والانتقاء, مجبولة على الطاعة وعلى البقاء ضمن مستويات الطاقة التي اودعها الخالق فيها.
"نعكسها بشوية زوم اوت" فنتأمل العالم الكبير من حولنا وسنرى المشهد ذاته يتكرر ولكن على هيئة الكواكب في دورانها. انها تنساق لقانون مفروض عليها من خارجها، او ان شئت فقل انها تكشف عن قانون مودع فيها يتلاءم وصميم ذاتها ووجودها، حتى انه ليصعب التفريق بين “قانوني حركتها ووجودها”.

لعله قد اتضح لك على هكذا مستوى من الموجودات، انه لا توجد ثمة أزمة في التنسيق بين الكائنات, لأنها مجبولة على الانتظام مع انها تفتقر لاي من سمات الوعي والعقل والادراك "بالتعريف الانساني".
حان الوقت الان لان نطبق عين القاعدة على الإنسان. بني البشر الذين كرمهم الله سبحانه وتعالى بالعقل, هل وظف الفرد منهم فكره في تفعيل الانتظام؟ ام انه الكائن الوحيد الذي لم يطق ذرعا بان يتحرك ويتأطر و "يتصندق" فقط في حدود قانون الله الفطري؟ بل بدأ يتمرد عليه، ويعيد تعريفه، ويشكك في ضرورته، حتى وصل الامر به لان يستبدله أحياناً بقانونٍ آخر من صنعه ونحته (اتعبدون ماتنحتون).

وصلنا الى لب التحول من حالة “الانتظامٍ بلا عقل” إلى ركن العصيان والطغيان الذي عنوانه الكبير وسببه هو وجود “عقل بلا انتظام”.

لقد استبدل الانسان الحركة والانصياع والطاعة لله، بالتشتت والضياع تحت ذريعة تفسير الحركة, والهدف منها وهل يوجد بدائل لها, وهل يحق لي الاختيار, وإلى أين؟ وبأي طريقة؟ ومع ان هكذا أسئلة تنم عن انفتاح في أفق الوعي، إلا أنه في اللحظة ذاتها تفتح باب التمزق بين الاتجاهات, والتشرذم بين الخيارات. في وجود تلك التعددية اللانهائية من المسارات الممكنة، ضاع الناس وحال الضباب عند بعضهم عن ان يبصروا “الصراط المستقيم” (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيلي).

وهكذا يتحول الوعي من كونه وسيلة للاتساق، إلى سبب ومساحة للتمرد وعدم الانضباط. إنه الكائن الوحيد الذي يدرك أهمية وجود النظام، ومقدار الحاجة اليه, ثم يستدير له بظهره ليختبر ما هو بالضد منه، ثم يضطر لان يعود إليه، ثم ما يلبث ان يعيد تعريفه مرة أخرى, وهكذا.

دعوني اختم بهذا السؤال, هل ان وظيفة العقل الإنساني هو محاولة بلوغ الانتظام والتنسيق الاعلى, أم أن وجوده يساهم في الكسر المتعمّد للانتظام الفطري نفسه؟