كم صار الجار؟

بدأ المحل أخيرًا يتنفس.
اللوحة التي دفع ثمنها والمحل الذي أنفق عليه صارا مألوفَين في الشارع.. الرفوف امتلأت.. العامل عرف الزبائن والزبائن عرفوا العامل.. والرجل الذي كان يقف عند الباب في الأشهر الأولى ينتظر الداخل من الزبائن صار أحيانًا يجد من ينتظره قبل أن يفتح.
سنة.. سنتان..
ديكور ورخص ورسوم وبلدية وكهرباء وعمالة وبضاعة وأشياء صغيرة لا تظهر مجتمعة في فاتورة واحدة.. لكنها تعرف الطريق إلى جيبه وحساباته جيدًا.
لكن..
“اللي جنبنا رفع إيجاره”.
جملة قصيرة جدًا تستطيع أحيانًا أن ترفع إيجار محل من أربعين ألفًا إلى ستين.
عشرون ألف ريال قفزت من محل الجار إلى هذا المحل دون أن تعبر الشارع!
زيادة 50%!
وهنا تبدأ حيرة صاحبنا..
يوافق؟
لقد وضع ماله في المكان وصار عنوان المحل جزءًا من تجارته. زبائنه يعرفونه هنا.. والديكور هنا.. والرفوف هنا.. وحتى عامل التوصيل حفظ الباب.
يرفض؟
عليه أن يفك كل شيء - وهذه تكلفة أخرى - ويبحث عن مكان آخر ويدفع من جديد.. ثم يقف عند باب جديد ينتظر الناس حتى يتعلموا عنوانه مرة أخرى.
وهذا يحدث فعلًا وليس حكاية صنعتها للمقال.
في الجهة الأخرى صاحب عقار له حق أيضًا..
اشترى عقاره أو ورثه أو بناه بماله وله التزامات والسوق يتغير وقيمة العقار قد ترتفع.. ومن الظلم أن نطالبه بإيجار بقي كما هو عشر سنوات بينما تغير كل شيء حوله.
إذن أين المشكلة؟
في تلك المسافة الصغيرة بين “من حقي” و”كم أطلب؟”
الزيادة من أربعين إلى ستين ألفًا تعني خمسين في المئة.. رقم قد يبدو لصاحب العقار تصحيحًا لقيمة الإيجار.. ويبدو لصاحب المشروع عشرين ألف ريال عليه أن يبيع ويعمل ويتعب حتى يوفرها قبل أن يبدأ في حساب رزقه وكم يتبقى له.
والأغرب أن “سعر السوق” يصنع نفسه أحيانًا بطريقة طريفة..
فهذا يسأل.. كم صار إيجار المحل المجاور؟
ستون..
فيرفع إلى ستين.
والثالث يرى الاثنين فيقول.. يبدو أن السوق وصل ستين!
وهكذا يصبح الجار خبيرًا عقاريًا من غير أن يدري..
مع أن المستأجر القديم نفسه له قيمة اقتصادية لا تظهر في قيمة الإيجار.. فهو يدفع في موعده ويحافظ على المكان ويستقر فيه ويعفي المالك من البحث كل سنة عن مستأجر ومن احتمال بقاء المحل خاليًا. واستمرار النشاط سنوات يعطي العقار نفسه حياة وسمعة.
والعقد الإلكتروني مهم وقراءته قبل التوقيع أهم. شبكة “إيجار” جعلت العقد التجاري إطارًا لتحديد المدة والبيانات المالية والشروط والتزامات الأطراف وحفظ حقوقهم.. كما أن تعديل القيمة عند التجديد أصبح له مسار منظم يقوم على الطلب والقبول أو الرفض.
لكن العقود - مهما بلغت دقتها - لا تستطيع أن تكتب كل شيء.
لا يوجد بند اسمه “راعِ الرجل حتى يقف مشروعه على رجليه”..
ولا خانة تقول “هذا المستأجر لم يتعبك طوال الخمس سنوات الماضية”..
ولا زر في المنصة اسمه “شوي شوي عليه يا ابن الحلال”..
فهذه يضعها الناس من عندهم.
كما أن الرحمة لا تعني أن يتنازل صاحب العقار عن حقه.. والإنصاف لا يعني أن يبقى الإيجار ثابتًا إلى الأبد. زيادة متدرجة ومعقولة قد تحفظ للمالك قيمة عقاره وتعطي المستأجر فرصة لترتيب تجارته فيخرج الاثنان من الاتفاق وهما قادران على السلام على بعضهما في اليوم التالي.
وأحيانًا يكون الاحتفاظ بمستأجر جيد أكسب من مطاردة أعلى سعر ممكن..
فالمحل الذي تتبدل لوحته كل سنة يقول شيئًا أيضًا..
ويجعل المستأجر الجديد يسأل عن سبب كل هذا التبدل.
وفي كل مرة يرتفع فيها الإيجار.. ربما يستطيع التاجر أن يرفع سعر بضاعته وينقل جزءًا من الزيادة إلى الزبون وعندها لا تبقى المسألة بين مالك ومستأجر فتمشي العشرون ألفًا حتى تصل إلى جيوب أناس لم يقرأوا العقد أصلًا.
لهذا.. عندما ينتهي العقد ويأتي موعد الإيجار الجديد فمن حق صاحب العقار أن يسأل..
كم صار الإيجار في السوق؟
ومن الجميل أن يضع بجانبها سؤالًا آخر..
وكم يساوي عندي مستأجر أعرفه ويعرفني؟
فالمال يحتاج حسابًا دقيقًا..
والرحمة أيضًا تعرف الحساب.



