مشروعُ العمر قبل بيتِ العمر

نرسمُ مخططاتِ «بيت العمر»، وندقق في أبوابه ونوافذه، ونختار أرضه وألوانه، وننفق عليه المال والوقت، حتى يكون جميلًا في منظره، مريحًا في مسكنه؛ لكننا قد ننسى أن هناك بناءً أعظم من الحجر، وأبقى من الجدران: بناء الأبناء والإنسان.
فالطفل أرضٌ خصبة، وما نزرعه اليوم نحصد ثماره غدًا؛ ومن زرع بصلًا لا ينتظر خوخًا، ومن غرس شوكًا لا يرجو وردًا. فإن ملأنا سمعه منذ الصغر بالقرآن والحكمة والكلمة الطيبة، نما قلبه على الطمأنينة والاستقامة، وإن عودناه على العلم والمسؤولية، شبّ قادرًا على مواجهة الحياة بعقلٍ وإرادة.
والمسؤولية لا تقف عند الدين والأخلاق، بل تمتد إلى المال والسلوك والعادات. من عوّد أبناءه على الإسراف فلا يعجب إن كبروا ولا يعرفون للمال قدرًا، ومن لبّى كل رغبة بلا حساب فلا يلومهم إن ظنوا أن الحياة طلبٌ يُجاب، ومالٌ لا ينضب، ورغبةٌ لا تؤجل.
وقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ فالأبوة والأمومة ليستا طعامًا ولباسًا ومدرسةً وسكنًا فحسب، بل تربيةُ ضمير، وبناءُ شخصية، وتعليمُ مسؤولية، وغرسُ دينٍ وقيم.
نحن نتعب في بناء البيت لأنه سيؤوينا سنوات، أفلا نتعب في بناء أبنائنا وهم ـ بعد الله ـ سكنُ أرواحنا، وسندُ ضعفنا، وذخرُ كبرنا؟
علّموهم الصلاة قبل أن تطلبوا منهم البر، وعلّموهم العطاء قبل أن تحتاجوا عطاءهم، وعلّموهم الرحمة قبل أن يكبر بكم العمر وتحتاجوا رحمتهم.
فبيتٌ بلا تربية قد يبقى قائمًا وتنهار أسرته، أما بيتٌ بُني أهله على القيم، فقد يكون بسيط الجدران، لكنه عظيم البنيان.



