أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (٣): الصداقة ميدان تجسيد القيم لا إسقاطها

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالثلاثاء 22 سبتمبر 2026، 1:16 م
سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (٣): الصداقة ميدان تجسيد القيم لا إسقاطها

ما هو العامل المؤثر في استدامة العلاقات الاجتماعية، بحيث يحفظ التعامل الحسن بين الصديقين؟

احترام شخصية الآخر وتقدير حقوقه وما يحمله من أفكار وتطلعات هو ما يحفظ تلك العلاقة بعيدًا عن الاضطرابات. أما عامل الود والمحبة فقد يزداد منسوبه بتكرار المواقف الجميلة والمساندة بينهما، ولكنه قد ينحسر وصولًا إلى الجفاف والجفاء بسبب التراكم السلبي لمواقف متكررة من عدم فهم ظروف الطرف الآخر، أو الإساءة التي لا يتبعها مسحٌ لانكسار نفسه وتصحيحٌ لذلك الموقف. فحسن المعاملة يبقي باب التواصل مفتوحًا، ويمكنه أن يمهد لعودة المياه إلى مجاريها، وخصوصًا إذا ما حافظ كل طرف على مساحة الاحترام دون توجيه أي استنقاص أو هجوم لفظي مسيء.

كما أن التربية الأسرية تلعب دورًا مهمًا في تنشئة الأبناء اجتماعيًا وقدرتهم على إقامة علاقات متزنة، بما ينعكس على إمكانية محافظتهم على جدارية الاحترام والتقدير مع الشخصيات القريبة منهم. فتنشئة الأبناء على الموازنة بين القرب والمهابة والإجلال لشخصية الصديق، تبني لديهم شخصيات متزنة وقادرة على تأسيس صداقات يسودها مناخ صحي، وقادرة على استيعاب الظروف الحياتية الصعبة والتغلب عليها، ويساعدهم على فهم قاعدة ذهبية في العلاقات بين الأصدقاء، وهي أن طول العشرة لا يعفي من جميل الكلمة والخطاب في أي تحاور وتجاذب للحديث، وإن كان مدار التخاطب فكرةً يسودها الشد والجذب والاختلاف في تناولها والاقتناع بها.

فالصديق الذي يتحمل طباعك وطريقة تفكيرك يمارس ذلك حبًا لا وجوبًا مفروضًا عليه؛ فإن الأدب في التعامل مع الآخر ليس مجرد رتوش ومجاملات اجتماعية يمارسها الفرد، بل هي قيم أصيلة تعبر عن دواخل الإنسان في الجانب الاجتماعي ونظرته للآخرين القائمة على الاحترام كحق أصيل لكل فرد. وحينها سنفهم أن الصداقة لا تلغي الاحترام أبدا، بل تكشف عن تألق شخصيته وعمق تفكيره وأصالة المنهجية الأخلاقية التي يتبناها ويتعامل بها بشكل عملي.

وإذا ما انتقلنا إلى التدقيق في مقولة (سقوط الآداب بين الأصدقاء) والحكم عليها، سنجد البعض يطرحها على سبيل الطرفة والمزاح، ولكنها تحمل في داخلها مفهوما تربويا خطيرا، وذلك إذا ما تحولت بشكل عملي إلى قاعدة تحكم العلاقات، ويسود من خلالها التجاوز على الآخر بتلك الحجة والتبرير.

فالألفة والارتياح النفسي للصديق لا ينبغي أن تكون مبررًا لتعطيل القيم واختراق جدارية الاحترام، ولا اختيار عنوان الصداقة كذريعة للتجاوز عليه في التخاطب أو التعامل، بما يخلق فجوة في علاقتهما تزداد في حجمها مع تكرار تلك المواقف المحرجة أو المسيئة حتى تصبح عامل قلق وضيق نفسي يعمل جاهدا في محطة ما على التخلص من تأثيراتها الثقيلة والسلبية.

فالصداقة ليست مساحة لإسقاط الأخلاق والتعامل باحترام مع الآخر، وإنما هي ميدان لاختبارها بشكل عملي في مواقف تظهر نظرة حقيقية لشخصيته والعلاقة معه، إذ إن حقيقة الأدب تظهر حين يأمن الإنسان من التكلف البغيض والثقيل، ويبقى مع ذلك محافظًا على صورة صاحبه وكرامته واحترامه على أرض الواقع.