هل نُطبّق “فرض الكفاية” في قيادة السيارات؟

في الفقه الإسلامي، يُعرَّف “فرض الكفاية” -أو الواجب الكفائي- بأنه: ذلك التكليف الديني الموجه لعامة المكلفين، والذي إذا قام به البعض بسدّ الحاجة وإنجاز المطلوب، سقط الإثم و الوجوب عن الباقين.
ولستُ هنا بمقام العلماء لشرح المقاصد والشرائع، ولكنني أردتُ استعارة هذا المفهوم الجليل لنسقطه على تصرفاتنا اليومية في الطرقات، وكيف يُمكن لو فهمنا روح هذا الحكم أن نحدّ من حالة التوتر والإزعاج الشائع في حياتنا.
حكاية على الطريق:
تبدأ القصة حين اتصل الحاج “محمد” بابنه “جاسم” يطلب منه مرافقته لزيارة إحدى القريبات في منطقة أخرى.
حضر جاسم سريعاً وقال وهو يغلق باب السيارة:
«سأوصلك يا أبي ونعود سريعاً، فقد كنتُ مع الأصدقاء في الاستراحة وأريد اللحاق بالعشاء ومتابعة المباراة.»
نظر إليه الأب بهدوء وقال:
«توكل على الله، وقد بحذر ولا تستعجل.»
انطلقت السيارة، وما هي إلا دقائق قليلة حتى بدأت السيارات متزاحمة وطريق شبه متوقف. هنا ظهر التوتر على وجه جاسم، فبدأ يتنقل بين المسارات بعصبية ويراوغ بين السيارات وكأنه في سباق عليه أن يفوز!
التفت إليه الأب بعد أن شدّ حزام الأمان وقال بنبرة استهجان:
«هل نحن في حلبة سباق؟»
حاول جاسم تلطيف الجو بابتسامة مصطنعة وقال:
«الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.»
رد الأب بحزم:
«لا علاقة للسرعة المتهورة بهذا المثل! فالأصح أن “في التأني السلامة وفي العجلة الندامة”. إن لم تحسن القيادة فلتتوقف لأقود أنا بدلاً من أن توردنا المهالك.»
فرض الكفاية خلف عجلة القيادة:
وعند إشارة المرور، امتدت صفوف السيارات. كانت الإشارة الحمراء تستغرق (135) ثانية مقابل (25) ثانية فقط للضوء الأخضر. ومع أول ومضة للضوء الأخضر -وهو ما يزال في أواخر الصفوف بعيداً عن التقاطع- أخذ جاسم يضغط على منبه السيارة (الهرن) باستمرار وبشكل مزعج!
نظر إليه الأب مستنكراً:
«ما كل هذا الإزعاج؟ ألا ترى الازدحام؟ ولماذا تضغط على المنبه وأنت في آخر الصف؟! ألا يكفي أن السيارة الأولى هي من تنبه عند الحاجة؟ لنتعامل مع الأمر كـ “فرض كفاية”، إن قام به من في المقدمة سقط عن الباقين، لقد أصبحت طرقاتنا لا تطاق من صخب المنبهات، وكل ذلك بسبب عجلة ينبغي الانتباه لها وكأن الناس يسابقون الزمن… فكم من حادث أليم نتج عن لحظة طيش؟ علينا أن نتمثل أخلاق الإسلام لنكون قدوة في الطريق.»
تأثر جاسم بكلام أبيه، ونظر إليه بابتسامة رضا وقال:
«صدقت يا أبي.. أبشر.»
الإشارة والمسؤولية:
إن هذه الحادثة البسيطة تحمل في طياتها درساً أخلاقياً مهماً في فن التعامل مع الطريق. فالقيادة ليست مجرد تحريك قطعة من حديد، بل هي انعكاس لذوق الفرد وأخلاقه.
وعلى من يقف في مقدمة الصف عند إشارة المرور أن يعي حجم مسؤوليته، فيكون منتبهاً ومراقباً للإشارة، بدلاً من استغلال التوقف في تصفح الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي، متسبباً في تعطيل الآخرين وإشعال فتيل التوتر في الطريق.



