أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عام على رحيل الأستاذ الدكتور السيد باقر حمزة العوامي

د. أحمد آل سالم · القطيف اليومالأحد 27 سبتمبر 2026، 11:42 ص
عام على رحيل الأستاذ الدكتور السيد باقر حمزة العوامي

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، رحل عنا الأستاذ الدكتور السيد باقر حمزة العوامي، رحمه الله رحمة واسعة.

رحل فجأة، من دون سابق إنذار. وكانت إحدى أمنياته التي كان يكررها لي دائمًا أن يرحل إلى جوار ربه وهو في كامل صحته الجسدية والعقلية، وألا يكون عالة على أحد، وألا يثقل كاهل من حوله. وقد استجاب له ربه وحقق له ما تمناه؛ فقد رحل عنا وهو يتمتع بكامل صحته، وكان يعالج مرضاه حتى اليوم الذي سبق رحيله.

عرفت الأستاذ الدكتور السيد باقر عندما كنت طالبًا في كلية الطب بجامعة الملك فيصل آنذاك، ثم عرفته زميلًا في الكلية نفسها بعد تخرجي وتعييني معيدًا في كلية الطب، وكذلك عندما عملت معه في عيادته.

وخلال هذه السنوات توطدت العلاقة بيننا، وأصبح بالنسبة لي أكثر من مجرد زميل؛ أصبح أخًا وصديقًا ورفيق درب.

وخلال هذه المرحلة تعلمت منه الكثير، ليس فقط في المجال الطبي. فهو أستاذ واستشاري في تخصص طب الأطفال، وأنا أعمل استشاريًا في جراحة الأطفال، وهذان التخصصان مرتبطان ومكملان لبعضهما بعضًا، وإنما تعلمت منه أيضًا الكثير من الأمور في حياتي اليومية والاجتماعية، وفي التعامل مع الناس والحياة.

كان، رحمه الله، قمة في التواضع والصبر وحسن الخلق والمعاملة. وكانت علاقته بأهل المرضى وبالأطفال أنفسهم مميزة وقوية، وكانت ثقة أهل المرضى به كبيرة إلى درجة أن بعضهم كان يرفض أن يذهب بأطفاله للعلاج في مكان آخر.

ولم يكن همه المادة عندما افتتح عيادته، ثم عندما أسس المجمع الطبي، بل كان هدفه الأول خدمة المرضى والمجتمع الذي عاش وتربى فيه، وتوفير نوع مميز من الرعاية الطبية للأطفال، والتخفيف من معاناتهم ومعاناة أسرهم.

ولا زلت أتذكر عندما فاتحني بموضوع إجراء عمليات بالتعاون معه في العيادة. كان حديثه كله يتمحور حول التخفيف عن المرضى ومعاناتهم، وتوفير خدمة إضافية لمن يحتاج إليها. فكنت أعاين المرضى الذين يحتاجون إلى استشارة جراحية، ونعمل على تسهيل السبل لمن يحتاج منهم إلى عمليات جراحية.

ومع مرور السنوات توطدت العلاقة بيننا أكثر، خصوصًا في السنوات الأخيرة. وكنا نذهب معًا لحضور المؤتمرات الطبية، وأصبحت هذه عادة تجمعنا كل سنة أو كل ستة أشهر تقريبًا. وكنا في أوقات الفراغ نتجاذب أطراف الحديث، وكنت آخذ رأيه في أموري العملية والشخصية، وكان نعم الصديق الذي لم يبخل يومًا بتوجيهي أو إبداء النصيحة لي.

ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي أنني كنت مدعوًا لحضور مؤتمر في دبي، وكانت عادتنا أن ننسق مع بعضنا البعض لحضور مثل هذه المؤتمرات. لكن، ولأنني كنت مدعوًا بدعوة شخصية لحضور ذلك المؤتمر، لم أخبره عن الدعوة.

حتى إن ابني قام بلومي على ذلك، وقال لي إنه كان يجب عليّ أن أخبره، بحكم معرفته برفقتنا الدائمة في مثل هذه المحافل. لكنني أخبرته أننا على موعد لحضور مؤتمر آخر بعد شهرين.

وبعد يومين من وصولي إلى دبي، وفي المساء، فوجئت برسالة من أحد الزملاء يخبرني بوفاة الأستاذ الدكتور باقر حمزة العوامي.

كان وقع الخبر كبيرًا في نفسي. فقمت بقطع إجازتي، وعملت الترتيبات اللازمة للعودة إلى الوطن. وحمدت ربي أنني لم أخبره عن ذلك المؤتمر، ليتوفاه الله بين أهله ومحبيه.

كان رحمه الله محبًا للعلم والبحث العلمي، وله الكثير من المساهمات العلمية القيمة في هذا المجال. ولا زلت أتذكر عندما قام بتأليف كتاب مبسط بعنوان «سالم والأنيميا المنجلية»، وهو كتاب ألقى الضوء على هذا المرض، وشرح لأهل المرضى المصابين بفقر الدم المنجلي طبيعة المرض بطريقة مبسطة وسهلة الفهم.

وكان مرض فقر الدم المنجلي من الأمراض الشائعة في منطقة القطيف، وكانت إسهاماته العلمية في هذا المجال كثيرة، وأسهمت أبحاثه وجهوده في أن يصبح الأطباء والمرضى وأهاليهم على دراية واسعة بهذا المرض.

وأثناء وجوده في الجامعة، كان مثابرًا في عمله، خلوقًا ومحبوبًا من زملائه وطلابه. وعمل جاهدًا لإنشاء مركز لعلاج الأمراض السرطانية عند الأطفال في مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر.

وقد كان لهذا المركز دور كبير في علاج الأطفال المرضى والتخفيف من معاناتهم ومعاناة أهاليهم؛ إذ كانوا قبل إنشاء المركز يضطرون إلى السفر إلى الرياض لتلقي العلاج، فجاء وجود المركز في الخبر ليسهل عليهم الحصول على العلاج بالقرب من أهاليهم وذويهم.

وكان رحمه الله شغوفًا بالبحث العلمي. وفي فترة ليست طويلة استطاع أن يحصل على درجة أستاذ مشارك. وخلال عمله حصل مرتين على دعم من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لإجراء أبحاث عن مرض فقر الدم المنجلي.

وكان أول طبيب من منطقة القطيف يحصل على درجة أستاذ في كلية الطب. والقليل من المقربين منه يعرفون ما مر به وما عاناه من صعوبات وعقبات في سبيل الوصول إلى درجة الأستاذية في الجامعة، لكنه ثابر وصبر وأصر، حتى حصل عليها بكل استحقاق وجدارة.

وكان رحمه الله محبًا للخير، وكانت له مساهمات كثيرة في خدمة المجتمع، لا يعلم تفاصيلها إلا المقربون منه، ولا مجال لسردها هنا؛ فهي بينه وبين ربه، ونسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناته.

نعم، رحل عنا الأستاذ الدكتور باقر حمزة العوامي.

رحل بجسده، ولكن ذكراه ستبقى في قلوبنا، وستبقى آثاره وبصماته حاضرة في حياة كل من عرفه واقترب منه.

رحمك الله يا أبا ماهر، وغفر لك، وأدخلك فسيح جناته.

فقدت برحيلك زميلًا وأخًا وصديقًا ورفيق درب. وفقدنا جميعًا شخصًا ترك بصماته الاجتماعية والعلمية، وله تاريخ طويل في البحث العلمي، وتشهد إنجازاته على ما قدمه طوال مسيرته.

ومن عرفه عن قرب يعرف أنه كان طيب القلب، صادقًا في تعامله مع الناس، محبًا للخير، حريصًا على خدمة مرضاه ومجتمعه، ومخلصًا في عمله وعلمه.

لله ما أعطى، وله ما أخذ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والله إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا أبا ماهر لمحزونون.

رحمك الله يا أخي وصديقي ورفيق دربي، وجعل علمك وعملك وخدمتك للناس في ميزان حسناتك، وأسكنك فسيح جناته، وجمعنا بك في مستقر رحمته.

رحمك الله يا أبا ماهر.