على عتبة قهوتي.. اعترافات قلب أخضر

بعد ساعات طويلة من الجهد والتفكير المرهق، وجدتني أحتاج إلى هدنة. إلى لحظة هدوء صغيرة أسترد فيها نفسي، وإلى فنجان قهوة يكون رفيقاً لأفكاري المبعثرة.
لن أنكر عجزي الليلة عن كتابة هذا المقال، فالكتابة كما قال نزار قباني، ليست حروفاً، بل هي عمل انقلابي. أكتب فقرة هنا فتأخذني نحو هناك، أحاول أن أكتب ما يليق بهذا، فيسحبني الشوق لأكتب لذاك. أريد فقط أن أجسد ما أشعر به في زحمة هذه الحياة، أن أخفف من لهاثها، أن أكتب بحرية مطلقة دون أن يلمحني أحد.
ما رأيك لو تقاسمنا هذا الكوب؟ لعل مرارته تخفف من دهشة النص وعبثية الأفكار عند البعض. أعترف أنني أكتب الآن بتوجس، لكن ما يطمئنني حقاً هو أن بعض القراء لا يزال يقرأني بسعة صدر ومحبة.
سأترك مقالي هذا يفتح ذراعيه لك. أريد أن أوضح لك أنه ليس نصاً، هو مجرد استثناء مني لا أكثر. ولا بأس إن انسحب البعض قبل النهاية. لكن دعني أهمس لك قبل كل شيء وبمنتهى الصدق: عندما نحب، فإننا نسمع صوت الوجود نفسه، صوت الحياة وهي تتدفق. حينها فقط يتجلى الجمال في داخلنا، ويظهر بهاء الكون من حولنا بوضوح. القلب الأخضر المحب لا يشيخ أبداً. وهذا ما تعلمته من تجربة عمري مع من أحب، ولا عزاء للمحبين.
أرجوك أيها القارئ، لا تمر هنا صدفة. ابحث عن نفسك بين سطوري، لعلي أجدك هناك مبتسماً، متألقاً. قد تقول عني كاتبة متسلقة بصوتها الخجول، وقد أدخلك في عالم من الشجن الذي لا يعنيك. أعلم أن مقدمتي هذه استثنائية ومربكة، لكنني لا أجيد الكتابة إلا بهذه التلقائية، بعفويتي وبساطتي، وكأن الكرة لا تزال في ملعبي.
في رحلة حياتي الاجتماعية، كان لا بد أن أوثق تلك العلاقات القوية التي جمعتني بكوكبة من الأشخاص. أناس تركوا في داخلي أثراً ونبضاً ملائكياً محفوراً لا يغادرني. التحفت بهم بلحاف من الحب والاحترام والذكرى الطيبة، فكيف لي أن أحبس نفسي في إطار ضيق أو فضاء مغلق وأنا محاطة بمن أحب وأحترم.
سمعت ذات مرة أن أفكاري ومشاعري تعرضت لسطو غير مباح، بينما كنت صامتة متحفظة. فما كان مني إلا أن ابتسمت بخجل، ثم غرقت في ضحكة خفية كادت تشقق جدار قلبي، وتجاوزت. اعذرني، لن أدخل في التفاصيل، فلم يعد أحد يكترث بلون البشرة، بل بلون الروح. وقدري أنا أن أحول القبح إلى جمال، هذا هو ديدني ومبدئي.
تداهمني أحياناً ثورة داخلية، لحظة مراجعة صادقة مع الذات تلزمني أن أكون حقيقية وواقعية. من يقرأني يجب ألا يظن أنني بعيدة عن الحياة والحلم. من يتوقف عن الحلم، يذهب مبكراً إلى الموت. وأنا أحب الحياة بكل أحلامها، فهناك الكثير مما يستحق أن نعيش لأجله. قرأت مرة أن الملموس باليد ليس إلا وهماً، فأحال الحياة كلها إلى وهم. لكن البعض يعيش حقاً في عالم من الأوهام، فما عسانا أن نفعل؟ أنا أؤمن بمقولة واحدة: العالم يبدأ من عتبة بابك.
هذبني الزمن كثيراً، وعلمني أنني أحمل بين دفتي روحي دفئاً خاصاً يسري في شراييني النابضة. كنت دائماً مغامرة، مؤمنة أننا نعيش الحياة مرة واحدة، حياة لا تحتمل القسمة. سألتني إحداهن مرة على سبيل المجاز: لو اخترت لك اسماً آخر، ماذا تسمين نفسك؟ عجبت لسؤالها، ماذا سيضيف لي اسم ثانٍ؟ أنا لا أحلم باسم آخر، أنا أحلم بعمر آخر أعيشه مع من سكن قلبي ولا يزال متربعاً في شراييني، رغم واقعيتي المدهشة.
لن أطيل الحديث عن وجع السنوات التي مضت، سأتركها مطوية بين أوراقي العتيقة، حيث تغفو الآهات بين السطور. سأتركها لموعد قادم، فأنا قادمة بالأجمل وبالكثير. أحياناً أنسى نفسي في الزحام، وأحياناً أفتح لنفسي غيمة صغيرة لأبكي تحتها. لا شيء يخيفني في هذه الحياة، فشعاري كان وسيبقى: ممنوع التشاؤم والفشل. تعالوا ندخل أروقة الصدق، ونتسلق معاً لحظة الرضا. وإلا سأكون نخلة سيئة التمر، أو نسيتم أنني بنت القطيف! وهذا ما يزيدكم تساؤلاً ويزيدني فخراً وجمالاً وتفاؤلاً. وليجرب من لم يعش على أرض القطيف أن يعيش فيها يوماً، حينها سيعذر كل هذا الحب والفخر.
سأنهي مقالي الآن، ولن يبقى لي من كل هذه اللحظات سوى لحظة صدق واحدة وسط زحام كلماتي. واعتذار واجب لقهوتي التي استنزفتها حتى آخر رشفة وأنا أكتب ما لا أعتبره نصاً، بل هي مجرد خاطرة، بين رشفة وأخرى من قهوتي.
أعلم أنني أطلت كعادتي، فاعذروني إن سرقت شيئاً من وقتكم. لكن حضوركم على صفحتي ينثر عبق المسك ويغمرني بفيض كرمكم. فشكراً من القلب لكل قارئ مخلص أبدع في قراءتي.



