حين أتذكر معلمي

يكاد لا يمرّ يوم عليّ إلا وتستحضرني أيام الدراسة الجميلة والممتعة، بتفاصيلها الصغيرة التي كبرت معنا، وبوجوه معلمين تركوا في ذاكرتنا أثرا لا تمحوه السنوات.
منذ نعومة أظفارنا في المرحلة الابتدائية، كنا ننظر إلى معلمينا بشيء من الهيبة والإعجاب. كأنهم يعرفون عن الحياة ما لا نعرفه، وكأنهم جاءوا ليأخذوا بأيدينا نحو عالم أكبر من حدود الفصل والكتاب.
لم تكن الحصة بالنسبة لنا مجرد شرحٍ لمادة دراسية. كان بعض المعلمين يقتطعون من وقتها دقائق، يقدمون فيها موعظة تربوية، أو يحكون موقفا إنسانيا، أو يوجهون لنا نصيحة تشبه ما يقوله الأب لابنه. كنا صغارا لا نعرف الكثير عن العالم الخارجي، وكان المعلم أحد الأبواب الأولى التي نطل منها على الحياة.
ثم جاءت المرحلة المتوسطة، وبدأت عقولنا تنضج شيئا فشيئا. أصبحنا نميز بين أساليب المعلمين، ونلاحظ قدرتهم على الشرح وإيصال المعلومة. وكان من أجمل ما يميز تلك المرحلة أن معلمينا كانوا يعاملوننا كرجال، ويمنحوننا شيئا من الثقة والمسؤولية.
وفي تلك السنوات بدأ التنافس الجميل بين الأصدقاء والزملاء، من يتفوق.. من يقرأ أكثر.. من يكتب أفضل.. من يشرح الدرس.. ومن يستطيع أن يثبت نفسه في الإذاعة المدرسية..
وهناك بدأت مواهب كثيرة تتشكل، القراءة، والرسم، والكتابة، والوقوف أمام الميكروفون لتقديم موضوع بسيط في الإذاعة على قدر ما نملك من معرفة آنذاك. وكانت كلمة تشجيع من مدير المدرسة أو أحد الأساتذة كفيلة بأن تجعلنا نشعر بأن ما نفعله يستحق الاستمرار.
أما المرحلة الثانوية، فقد أخذت الأمور منحى أكثر نضجا. كان المعلم يمتلك تحصيلا علميا أكبر، بسبب المواد العلمية المكثفة، وقدرته على إيصال المعلومة بمستويات مختلفة للطلاب، ولم يكن دوره ينتهي عند حدود المنهج. كان هناك من يشجعنا على التفكير في مستقبلنا، واختيار تخصصاتنا، ومعرفة ما نريد أن نكون عليه بعد سنوات.
وكان التكريم الذي نحصل عليه من إدارة المدرسة عند التفوق يحمل لنا معنى أكبر من شهادة أو هدية،كان رسالة تقول لنا: استمروا، أنتم قادرون على فعل ذلك وبجدارة..
واليوم، بعد أن ابتعدنا كثيرا عن مقاعد الدراسة، أدركنا أن مهنة التعليم لم تكن يوما سهلة كما كنا نتصورها.
تحضير الدرس يحتاج إلى جهد ووقت، وإيصال المعلومة يحتاج إلى صبر، أما إدارة الفصل فهي حكاية أخرى. بين طالب مشاغب، وآخر يرى في الحصة فرصة للنوم، وثالث لم يكتشف بعد معنى الجد، يقف المعلم محاولا أن يصنع من كل ذلك فصلًا متوازنا وبيئة صالحة للتعلم.
ولهذا، ربما لا نتذكر اليوم كل ما درسه لنا معلمونا، وقد نكون نسينا كثيرا من التفاصيل التي كانت في الكتب، لكننا نتذكر مواقفهم، كلماتهم، تشجيعهم، وحتى ملاحظاتهم التي كانت تضايقنا في وقتها ثم اكتشفنا قيمتها بعد سنوات.
وفي اليوم العالمي للمعلم، الذي يوافق الخامس من أكتوبر، لا أجد أجمل من أن أستعيد أولئك الذين مروا في حياتنا التعليمية، وأقول لهم:
شكرًا لكم.
لم تكونوا تشرحوا لنا الدروس فقط، بل كنتم تساهمون في تشكيل شخصياتنا، وصقل مواهبنا، ومنحنا أولى خطواتنا نحو الحياة.
قد لا يعرف بعضكم أين انتهى بنا الطريق، لكن أثره بقي معنا.
أنالكم الله خير هذه الدنيا بجمالها وأمنها وبرّها، على ما بذلتموه من أجل أجيالٍ ربما لا تتذكر كل ما قلتموه، لكنها بالتأكيد لن تنسى أنكم كنتم جزءا من بداياتها.
فالمعلم الحقيقي لا يترك أثرا في دفتر الطالب فقط، بل يترك أثرا في حياته. وفي صنع مستقبله ..



