أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لحظة انتعاش قلب

غالية محروس المحروس · القطيف اليومالخميس 4 يناير 2018، 3:05 م
لحظة انتعاش قلب

ذات سعادة:

كان الصباح وأنا في عناق لصباح آخر من التمني, كل الخوف أن تبقى القطيف في الذاكرة فقط التي لا تفارق مخيلتي رغم المسافات, وكان للصباح أكثر من وجه و للصدق هنا بحجم نقاء القلوب وصفائها, لأقطف أوراق الريحان وأكتب عليها ها قد عدت للقطيف, ومن رأى منكم فجر القطيف فليضحك وإن لم يستطيع فليبتسم وإن لم يستطيع فليقرأني وهذا أضعف الوفاء والجمال.

بعد عذابات يوم طويل حافل بأحداث وأخبار وأوجاع وأوهام وبعد يوم مجهد شاق تاقت نفسي إلى جلسة لوحدي لأغسل عناء اليوم كله وأرمي بهموم الحياة على عتباتها, وهنا جرعة استرخاء تسربت لشرايين يومي, يقول شكسبير " ما المدن إلا الناس" وهؤلاء الناس هم من سكنوا أصابعي ومن تسلقوها ومن مجدوا أشخاصهم في كتاباتي وإن لم يكن بمستوى تقديري لهم أليس من الإجحاف ألا يرافقون أحرفي إلى الآن, اعتقادي إن التواصل مع القارئ يضيف إبداعا إلى المقال حيث يهمني رأي القارئ وحتى مروره الخاطف.

ليس سرا أو عيبا ما سأذكره هنا ولكن صدقا إن عيني مخزن عجيب للبكاء وأصعب ما يوجعني ويجعلني أتمزق هو الكذب والنفاق والخيانة بشتى أنواعها ومع أي كائن يكون, البعض يقول لي إن أجمل شيء عندي هي دمعتي كيف لا أبكي ولا تدمع عيني وفي كتاب الله الكريم مواطن سجود لا يدركها البعض في كثير من العبارات التي ترد فيه, ومع الدمعة التي ذكرتها أشد ما يحزنني في الحياة هو: أن أرى وجه طفل يتيم حزين وقد نجده محروما من الأمان العاطفي, ولكني أهمس للأيتام: سوف تجدوا الأمان والحب والعطف في حضرة الله وأنتم أحبابه , لعل القارئ يدرك ما ذكرته والقلوب في لحظة احتضار, وإن فسرها البعض غير ذلك لن يدهشني هذا, ولست قلقة فالمسافات بين البشر طويلة ومتباعدة, حيثما يكون الألم بطعم الشهد يكون الصدق.

كم يؤسفني من يظن إن القلوب والنفوس مسرحا للتلاعب, ويجهل إنه بهذا لا يخدع إلا إنسانيته, وكيف يمكن أن تبعثر أغلى ما منحتهم إياه الطبيعة هكذا على الطريق, ربما ليس من السهل أن نفضح عن عجزنا في الاستمرار بعد إن سمحنا لأحدهم برفقتنا, لابد أحيانا من الاغتسال بالمشاعر والأحاسيس حد التعفف, ولابد أيضا من عتاب أخير قبل الاكتفاء بسكينة الصمت , أتساءل عما أشعر به وهل هناك شخص يهمه الاستماع إلي؟ اغتسلت البوح لا بل الصمت تحت لطف السماء, عسى أن يتطهر إحساسي ويصفو, جميل أن نحيا دون أقنعة وهذا يوفر لنا السكينة والسكون, وللأسف إن المرء يرغم أحيانا على ما يشاء ولا يجد القدرة الذاتية على البقاء نقيا.

كنت في صغري أرى النعوش المحمولة إلى مثواها الأخير تمر من بيتنا وأمشي خلفها, في وقت كان فيه الكثير يهابون مجرد الاقتراب منها, لم يكن هناك إحساسي بالخوف من الموت ولم أكن أستوعب حقيقته ولا أفهم إن هناك عذابا وحسابا ينتظر الميت, حيث تشغلنا الدنيا والركض خلف هموم الحياة عن حقيقة الموت وفلسفته والآن كثيرا ما يشغلني الحديث عن الموت والقريب إلى قلبي ولا زلت لا أخشاه فشوقي لرؤية الله لا حدود له .

ولأخفف عليك أيها القارئ العزيز أسرد هذه النكتة عن الجنازة, سُئل جحا: أيهما أفضل السير خلف الجنازة أو أمامها قال: لا تكن في النعش وسر حيث تشاء! الكل يدرك بأن الموت حق على الجميع لابد أن نكون مستعدين له ولكن بالعمل الصالح, ولأني اشعر بأرواح أصحاب الطهر من الناس ولأن الله منحني عينا تبصر كل ما هو طاهر وجميل كان سهلا علي أن أبصر كل روح بيضاء ستصل للسماء بنقاء .

ليس غريبا أن نعلن الفرح والأجمل أن يعلن الفرح عن نفسه بشكل عفوي وفوري ودون استئذان,احتفال الفرح يصاحبه عادة توهج قلوب البشر بالسعادة والسرور, متى نفوز على سواد الحزن الذي يملئ الدنيا ويستأصل السعادة والسكون من عيوننا ؟ متى نستبدل ثياب الحزن السوداء بالأبيض لباس الملائكة؟ ما المانع من حذف وشطب مساحات الحزن من ذاكرتنا؟ إلى متى يستوطن الحزن على القلوب والأرواح وكأنه أنشودة الصغار تتوارثها الأجيال؟ لماذا يتجول الحزن في نفوسنا ودواخلنا؟ لماذا نسمح للحزن أن يسرق فرحتنا ويصادر بهجتنا؟ يا لها من ذاكرة عجيبة تلك التي تتواطأ مع الحزن والوجع المباح! لنحتفل معا ونزيح كل الحزن والسواد الجاثم فوق صدورنا فقلوبنا تحتضر فهل هناك من ينعش تلك القلوب؟
​
لا أتذكر أين قرأت هذه الحكمة فقد وجدتها في إحدى أوراقي القديمة" لا تثقل يومك بهموم غدك فقد لا تجيء هموم غدك وتكون قد انحرمت سرور يومك". وهنا تتراءى لي أوجاع البشر المدفونة على شواطئ الحياة, وقد غمرتها أمواج القلق والهموم وسارت بها وأخذتها لتستريح على أكتاف السنين, لأهمس لك قائلة: إن الحياة ميدان فسيح تتبارى فيه النفوس لتفوز بالسعادة, كما تعلم أيها القارئ إن الإنسان لا يخلو من حواجز ذاتية أو ظروف اجتماعية, يتوجب احترامها من قبل الآخرين مهما كان قربهم منا, إنها تلك النكهة الخاصة بنا التي لا يمكن تجاهلها, لكي نحيا بسعادة حيث إنه من الإنسانية أن نحاول إسعاد غيرنا بلحظات جميلة صادقة قد لا تتكرر.
قرأت ذات مرة قصة حقيقية مؤلمة ومخزية بل موجعة,لامرأة يسكنها الحزن وقد قتلوا روحها وكل معالم الفرح داخله, وذلك من أقرب المقربين لها, ذكرت عندما كانت طفلة بعمر ثمان سنوات, أخذ خالها بالتحرش لعدة مرات مع تهديده لها بعدم البوح, وما يقوم به مجرد لعبة, وكانت لا تفهم شيئا مطلقا ومرة رأتها والدتها مع الخال المجرم, فضربتها دون أن تعاقب شقيقها حتى كبرت تلك الطفلة وهي تتوجع من هكذا إجرام شنيع أتعجب من تلك الأم لسكوتها عن معاقبة شقيقها المجرم والأدهى أتعجب ثانية لعقابها لتلك الطفلة البريئة الضحية, ماذا نسمي هذا هل هو التكتم الاجتماعي خوفا من ظلم المجتمع والخوف منه الذي لا يزال يتستر على أمور حساسة تحفظا وإلى متى؟

في إحدى المرات استعارت إحدى طالباتي كتابا قيما من مكتبتي على أن تعيده لاحقا لي, وأنا من لا أعير كتبي لأحد ليس بخلا ولكن رغبة بعدم التفريط بكتبي, وبعد إن اطلعت عليه وقدرت قيمته الفكرية قررت عدم إعادته لي هذا ما بدا لي, عفوا هناك كتب تصادفها مرة واحدة في حياتك وأن لم تنتهز الفرصة في اقتنائها لا ولن تجدها أبدا وقد مرت علينا فرصة اقتناء بعض الكتب ولا نزال نادمين على ضياع الفرصة وما زالت عملية البحث جارية, أعود لتلك الطالبة التي قررت عدم إعادة كتابي وأنا هنا أعرض عليها أن تعيده لي وسأقوم بنسخه وإعطائها إياه هدية مني .

أقول في نهاية حديثي شكرا يا عزيزي القاريء لسعة صدرك وسلامة قلبك وتعيش وتقرأ مقالات أخرى والتي بعضها قابلة للتأجيل آملة أن يليق بك.