جعلني عاقًا!

تحكم علاقة الوالدين بأبنائهما تلك العاطفة الجياشة المتحركة وفق راحة الأبناء وسعادتهم وتوفير سبل الحياة الكريمة لهم، ومن جهة الأبناء فإنهم ينطلقون في بر والديهم من الرحمة والوفاء وأداء بسيط لحقهما، وهذا العطف المتبادل يسدل على الأسرة الاستقرار والراحة النفسية والهناء والهدوء.
وقد يشذ عن قاعدة التراحم والتعاطف أبناء جحدوا ما أسداه لهم آباؤهم وأمهاتهم، فيتعاملون معهما بكل قسوة وتجاهل وتعال، فيتحقق حينها في حقهم العيب والخزي بعقوقهم لحق والديهم، وإنكارهم لحق الربى والعناية والسهر على راحتهم وتجنيبهم كل ما يؤذيهم، وتتعدد العوامل المؤذية لعقوق الوالدين بين أصدقاء سوء وخبث سريرة و اغترار بالدنيا وغيرها من العوامل المتعددة.
ولكن، هل نصادف يومًا آباء وأمهات أسهموا في تجذر العقوق والجحود في أبنائهم، فكانا العامل المؤثر بشكل كبير في توجيه أبنائهم لنكران المعروف؟!
لا ينبغي إغفال حقيقة مهمة وهي أن الأبناء غرس آبائهم، فما يتلقونه منهم من قيم وآداب أو تصرفات غير لائقة سيكون بذرة لنبتة عليهم انتظار نموها، ولذا فإن التربية بالقدوة ورؤية الأبناء لإحسان وبر آبائهم بأجدادهم عامل مهم يسهم في زرع البر في سلوكياتهم، أما لو كان الأب أو الأم يمتاز أحدهما بالجفاء وقسوة القلب والغلظة فيعامل والديه بخشونة، فبالتأكيد أن سنة المداينة تبشره بعقوق أولاده لحقه، والمستقبل ينبئ بتعامل مماثل منهم معه تمامًا، كما كان يصنع مع والديه، فمن أراد بر أبنائه به فلتكن دعوته لهم عملية يرون فيها عطفه وسهره لراحة والديه، فهذه رسالة أقوى بكثير من كلام خاوٍ!
جانب آخر مهم ينجم عنه عقوق الأبناء بسبب آبائهم وأمهاتهم ألا وهو: طريقة تعامله مع أبنائه، فالتعامل الأخلاقي المبني على احترام شخصية الابن والحوار الهادئ معه يشكل أرضية لمحبة الأبناء لوالديهم، وأما التعامل مع الأبناء بأسلوب التعنيف والتوبيخ واستصغار شأنه، ورفع الصوت عليه وشتمه في لحظات الغضب لن يكون مؤشرًا طيبًا لمستقبل علاقتهما، فما يغفل عنه بعض الآباء والأمهات أن الطفل صغير في إدراكاته العقلية ولكنه صاحب مشاعر حساسة وذاكرة قوية لما يمر به من مواقف متعددة، فيعلق ذهنه معاملة والديه المتسمة بالاهتمام والتوجيه والتسامح أو الصراخ والعقوبات المغلظة، فمن دواعي عقوق الأبناء؛ سوء معاملة والديهم في الصغر، مما يفرغ من قلوبهم الرحمة والبر.
وختامًا نشير إلى التفرقة في التعامل مع الأبناء مما يوغر قلب من يشعر منهم بسوء المعاملة، ومن دواعي تلك التفرقة عامل الفروق الفردية بين الأبناء، فبعض الأبناء يمتاز بخفة الدم والأريحية مما يكسبه معاملة تفضيلية، أو يمتاز بذكاء وتفوق مدرسي يشعره بحنان أكثر من والديه، أو يمتاز بسلاسة في الحديث وبساطة في النقاش ورقة في اللسان يجذب قلبي والديه، مما يشعل أوار الحقد عند من يشعر منهم بالغبن وسوء التعامل، فإذا كبر بقي خالدًا في ذهنه تفضيل إخوته عليه فيكون سببًا لعقوق والديه، فليكن الآباء والأمهات على حذر من خطر التفريق في المعاملة بين أبنائهم لأي سبب كان، وإن مال قلبه لأحدهم فليضمره ولا ينبغي أن يصرح به أو يظهره في تعامله.



