أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

صدق الله العظيم

إبراهيم الزين · القطيف اليومالسبت 21 يوليو 2018، 10:06 ص
صدق الله العظيم

على الرغم من التطرق والطرْق على بعض المشاكل المجتمعية المستشرية، إلّا أننا نلحظ تفاقمها وكأنها في حرب مع الحكمة والنصيحة والمشورة، وهي لذلك تعاند وتستفحل بشكل تستعصي معه الحلول مهما طُرقت أبوابها.

وإن أول ما يشخص أمامنا من حيث الأهمية هي مسألة الطلاق، وهو أمرٌ منطقي بلا شك ولكن؛ هل هو الطلاق بعينه ولذاته؟ أم أنها المسببات الابتدائية التي تؤدي في النهاية لوقوعه؟ والعبد الفقير ليس باحثًا اجتماعيًا ولا طالب علم، ولا طبيبًا نفسيًا، حتى أشخص الأمر بدقة، ولكني فرد من المجتمع أعرض قدر ما أفهم وأدرك، فلا يؤاخذنا الضالعون في الأمر.

ظني - والله أعلم - أن القضية تأتي من الأساس وهي ليست وليدة ما بعد تاريخ عقد القران، وبلمحة سريعة على الماضي القريب ولنقل لعشرين أو ثلاثين سنة ماضية فقط وما عقب ذلك، نكتشف أنه لا يوجد لدينا ما يدل على وجود هذه الظاهرة، بل ربما تكون معدومة أو بنسبة لا تذكر، وهذا دليل على أن هذه الظاهرة هي لأسباب أخرى وجدت مع وجود الأجيال المتلاحقة.

نحن نلحظ في الغرب وبعض الدول العربية أن الأجيال المتلاحقة تحافظ على القيم والمسلمات العرفية والخلقية، وكذلك العادات والتقاليد الحسنة والتي يتوارثونها عن بعضهم، ولهذا فإن زائر هذه الدول لا يلحظ التغيير الكثير على شعوب هذه الدول خاصة فيما ذكرنا، ولكننا هنا في مناطقنا نرى أن كل عقد من الزمن يظهر علينا أجيال يتفننون في الانسلاخ عن مجمعهم والانحلال عن القيم، وأن التباين واضح وضوح الشمس بين الجيل والآخر بما هو أسوأ، ونحن لا يمكننا هنا تفسير ما يحدث، إنما على عجلة نقول إن العصرنة، وتسارع الطفرات الحضارية، والتهاء أولياء الأمور، والأخذ من الآخر القريب أو البعيد العادات السيئة السلبية بدل الحسنة الإيجابية، ولا ننسى قوة التأثير الإعلامي، والأهم الأهم هو ترك مقاعد الدراسة تزامنًا مع عدم مراقبة جيل الشباب، كل ذلك أدى إلى الانقلاب على عقارب الساعة، بحيث أصبحت عجلة التغيير للأسوأ بسرعة لا يمكن تصورها، ومعها يستحيل التحكم فيما يحدث، من أجل إعادته إلى جادة القيمومة.

فلا نستغرب مطلقًا أن يكون الطلاق أمرًا سهلًا في ظل هذه المتغيرات التي تؤثر بلا شك على التربية، سواء الأسرية أو التعليمية أو المجتمعية، فتجعلها هشة تقيمها الرياح بلفحة واحدة.

لهذا؛ إن القاعدة التي يبنى عليها الارتباط الزيجي عندنا إن صح التعبير هي قاعدة غير صالحة ابتداءً، فلا ندري ما الذي يستحضره الخطيب، وكذلك الخطيبة أثناء العقد، بل ما هي الشروط والمواصفات التي كانا يرغبانها في بعضهما أثناء البحث والتقصي حتى وصلا إلى مرحلة الموافقة المشروطة؟

هناك الكثير والمثير من الملاحظات للأسف بني عليه ما سوف يكون باطلًا بعد فترة، مما سوف يؤدي بلا شك للانفصال قبل أو بعد الزواج، والمقام هنا لا يسع للتفصيل، ومن السخرية أن نذكر بعض المخجل منها، كأن ينفصل الزوجان بسبب نوع كوشة العرس أو مكان السفر، أو حجم الشقة، أو خلافه من الحطام الدنيوي الذي لا يسوى شيئًا أمام توافق القلوب والعواطف والأحاسيس، نقول ذلك لأنه ربما رغب الزوجان في الاستمرار ولكن الأنانية والشيطان والمناظرة مع الآخر يجعل تغليب المفاسد هو الأولى على تغليب المصالح القيمة المشتركة.

من جانب آخر، نحن نقسو أحيانًا على الشاب لتأخره في الزواج وكذلك الشابة، ولكن بسبب ما يلحظانه نراهما يتخوفان من الإقدام ويضعان الشروط حتى يضمنا الحصول على التزاوج المرضي على أقل تقدير، ولهذا فإن العنوسة من الجنسين لدينا بينة جلية، تمامًا كما هو حال المطلقات والمطلقين.

ونحن هنا من الصعوبة أن نتعرض للتربية الأسرية ومدى نضجها لحساسيتها، وحتى لا ينقلب علينا أحد بالاتهام السلبي، ولكن وجب علينا مراجعة أنفسنا لمعرفة؛ هل نحن فعلًا ربينا أبناءنا التربية الحسنة التي تهيئهم لحياة مستقبلية مرضية؟ هل غذيناهم بالقوامة والأعراف العالية، وورثناهم الجميل منها حتى سارت حياتهم سلسة جيلًا بعد جيل؟ أم أننا التهينا عنهم، بل وفرنا لهم الملهيات تدليعًا لهم، وخوفًا عليهم مما أوقعناهم فيه بأنفسنا، فأصبح البون الشاسع بيننا وبينهم فضلًا عما ما بينهم وبين من قبلنا بونًا لا يمكن إدراك إصلاحه من دون القانون والعصا، ولن ينفع ذلك.

بمراجعة واحدة لحالات الطلاق ونظرة واحدة للشوارع أيام العطل بالذات عند الكورنيشات أو أماكن التفحيط ندرك تمامًا ما الذي فعلناه نحن بأيدينا، وندرك تمامًا أن المسؤولية تقع على عواتقنا نحن أولياء الأمور الذين أعطيناهم الضوء الأخضر والأزرق وخلافها من الألوان الزاهية، ولم يهدونا غير اللون الأسود، والذي لا نتمنى رؤيته، فدائمًا الأمل موجود إذا استعنا بالله وراجعنا أنفسنا، تمامًا مثلما أتاح لنا ربنا - عز وجل - المراجعة في الطلاق، فعلى الرغم من أن الطلاق ثلاث، ولكنه قال مرتين، فقط وفقط من أجل مراجعة النفس والإصلاح، بل وأتاح فرصة بقاء المرأة في بيت زوجها، بل حتى وإن طلقت بالثالثة وتزوجت وطلقت، فزوجها الأول أحق بها، فسبحانه من مدبر حكيم.. قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ﴾.. صدق الله العظيم.