الأربعاء 21 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رَشّة عطر

ياسر بوصالحالأربعاء 21 أكتوبر 2026، 11:34 ص
رَشّة عطر

لما قرأتُ سيرتها، استوقفتني تلك اللمسة الإنسانية الدقيقة حين اشترت ماكينة خياطة جديدة ومتطوّرة، لم تستطع أن تواجه نظرة الماكينة القديمة التي رافقتها في سنوات كفاحها الأولى، فخبّأت القديمة خلف الستارة، كأنما أرادت أن تتفادى عتابها الصامت كلما مرّت بعينيها.

تبسّمتُ في داخلي قائلاً.. يا لأساليب أفلام الأبيض والأسود في تحريك المشاعر الراسخة في الوجدان! ثم توقفتُ قليلًا وقلت.. ولماذا لا؟ أليس في الأشياء رائحةٌ خفية لا تُشمّ بالأنف، بل بالذاكرة؟

ألم يقل النبيّ الأعظم ﷺ «أُحدٌ جبلٌ يحبّنا ونحبّه»؟ [1] تأمّل — أيها القارئ العزيز — أن بدء المحبّة جاء من جبل أُحد نفسه، ثم انعكست المحبّة من النبيّ الأعظم ﷺ بأبي هو وأمي إليه؛ وكأن الجماد يسبق الإنسان إلى الوفاء، ثم يفيض الإنسان عليه محبّته اعترافًا وتكريمًا.

ثم قلت.. لعلّ جبل أُحد حالةً فريدة من خصوصيات النبيّ الأعظم ﷺ؛ تجلٍّ من تجلّيات العلاقة العجيبة بينه وبين الجماد، أو — في أبعد الاحتمالات — من خصائص المدينة المنوّرة [2] التي احتضنت النبوّة وبارك الله تربتها وهواءها.

أي بمعنى آخر.. لسنا ملزمين بمشاعر الوفاء تجاه الجمادات من حولنا؛ فالوفاء نفسه أصبح عملة نادرة بين البشر، فكيف نطالبه بالحيوان أو الجماد؟ ومع ذلك، فإن القلب البشري — على ما فيه من هشاشة وتقلّب — ما زال قادرًا على أن يبتكر لحظاته الخاصة من الحنان، ويمنح الأشياء الصغيرة نصيبًا من عاطفته، كأنما يبحث في الجماد عن ظلّ وفاءٍ افتقده في الإنسان.

ولعلّ هذا هو سرّ جمال تلك القصة.. أن ماكينة خياطة قديمة، مختبئة خلف ستارة، استطاعت أن تذكّرنا بأن الوفاء ليس قاعدةً اجتماعية تُلزمنا بها الأخلاق، بل هو نزعة داخلية تُولد من تلقاء نفسها حين يلامس الشيء جزءًا من تاريخنا، أو يشاركنا لحظة تعب، أو يرافقنا في طريقٍ طويل.

فالوفاء — في جوهره — ليس علاقة بين كائنين، بل علاقة بين الإنسان وذاكرته؛ بين القلب وما يختزن من أثرٍ لا يُرى، لكنه يُحسّ ويُستعاد كلما مرّت العين على ماكينةٍ قديمة… أو على جبلٍ يحبّ النبيَّ ويحبّه النبيُّ ﷺ.

ولهذا، فإن رَشّة عِطرٍ واحدة قد لا تكون مجرّد رائحةٍ عابرة، بل مفتاحًا صغيرًا يفتح أبواب الذاكرة دفعةً واحدة؛ تذكّرنا بأن الأشياء التي عبرت معنا الطريق — مهما كانت بسيطة — تظلّ تحمل في داخلها ما لا يحمله الطيب الفاخر ولا العطر الثمين.

فالوفاء، في حقيقته، ليس صفةً للجماد، بل هو صفةٌ للإنسان حين يستعيد ما تركته الأيام في قلبه من أثرٍ خفي؛ أثرٌ ينهض فجأة مع رائحةٍ عرفها يومًا، أو مع ماكينةٍ قديمة خلف ستارة، أو مع جبلٍ يحبّ النبيَّ ويحبّه النبيُّ.

وهكذا نفهم أن رَشّة العطر ليست خاتمة الحكاية… بل رمزها الأعمق.. ذلك الوميض الذي يعيد ترتيب الذاكرة، ويذكّرنا بأن الوفاء يبدأ من الداخل، ثم ينعكس على الأشياء من حولنا.