لماذا لا تكفي التربية والتعليم لصناعة الإنسان الواعي؟


قد نتفاجأ أحيانًا عندما نلتقي بشخص يحمل شهادات علمية عالية، لكنّه يتصرف في بعض مواقفه بطريقة تفتقر إلى الحكمة، بينما نجد شخصًا آخر لم ينل نصيبًا كبيرًا من التعليم، لكنّه يمتلك وعيًا عميقًا بنفسه وبالآخرين وبالحياة. فهل الوعي ثمرة التعليم وحده؟ أم أنّ وراءه عوامل أخرى؟
الحقيقة أنّ الوعي أوسع من التعليم، وأعمق من المعرفة. فقد يعرف الإنسان الشيء، لكنّه لا يدرك أثره، وقد يعرف الصواب، لكنّه لا يملك القدرة على تطبيقه. ولهذا فإنّ المشكلة ليست دائمًا في مقدار ما نعرف، وإنّما في الطريقة التي نفكّر بها فيما نعرف.
لقد أولى القرآن الكريم العقل والتفكّر مكانة كبيرة، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ . فالقرآن لا يدعو الإنسان إلى تلقي المعلومات فحسب، بل إلى إعمال العقل والتدبّر والنظر في النتائج.
وتبدأ رحلة الوعي من الأسرة. فالطفل الذي ينشأ في بيت يسمح له بالسؤال والحوار، ويعلّمه أنّ الاختلاف لا يعني العداوة، وأنّ الاعتراف بالخطأ شجاعة، وأنّ لكل قرار نتيجة؛ ينمو وهو يمتلك أدوات التفكير. أمّا التربية التي تقوم على الخوف والقمع والمنع المستمر من السؤال، فقد تنتج إنسانًا يعرف كيف يطيع، لكنّه لا يعرف دائمًا كيف يفكّر.
ومن هنا تأتي دلالة ما روي عن أمير المؤمنين الإمام علي

: ”لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم“. فالتربية ليست مجرد نقل الماضي إلى المستقبل، وإنّما إعداد الأبناء ليعيشوا حاضرهم ومستقبلهم بقيم ثابتة وعقل قادر على التعامل مع المتغيرات.
ثم يأتي التعليم، وهو بلا شك أحد أهم أبواب بناء الوعي، لكنّه يفقد جزءًا من قيمته إذا تحوّل إلى حفظ للمعلومات والحصول على الشهادات فقط. فالإنسان الواعي لا يسأل فقط: ماذا تعلّمت؟ بل يسأل أيضًا: ماذا فهمت؟ وكيف أستخدم ما تعلّمته؟ وما أثره في حياتي؟
ولذلك يصف القرآن أصحاب البصيرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ . إنّهم لا يرفضون كل ما يختلف معهم، ولا يقبلون كل ما يوافقهم؛ بل يستمعون ويفكّرون ويميزون ثم يختارون.
أمّا المجتمع، فهو المدرسة المفتوحة التي نتعلم فيها دون أن نشعر. فالإنسان يتأثر بما يراه من سلوكيات وقيم، وقد يصبح ما يراه يوميًا أمرًا طبيعيًا، حتى لو كان يحتاج إلى مراجعة. ولهذا لا ينبغي أن يكون شيوع الفكرة دليلًا على صحتها. يقول تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت مسؤولية الإنسان؛ لأنّ كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة الوعي. بل ربّما أصبح الإنسان بحاجة إلى وعي أكبر حتى يستطيع التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين المعلومة والشائعة، وبين النقد والتجريح.
لكنّ هناك عاملًا قد يكون أكثر تأثيرًا من كل ما سبق: رغبة الإنسان نفسه في أن يراجع ذاته.
فالوعي يبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يقول: ربّما أكون مخطئًا. يبدأ عندما يتوقف عن الدفاع عن أفكاره لمجرد أنّها أفكاره، ويسمح لنفسه بأن يتعلّم من الآخرين، وأن يعيد النظر في بعض قناعاته، وأن يسأل عن نتائج سلوكه قبل أن يلوم الآخرين.
وقد روي عن الإمام علي : ”هلك امرؤ لم يعرف قدره“. ومن معرفة الإنسان قدره أن يعرف حدود معرفته، وأن يدرك أنّ ما يجهله قد يكون أكثر مما يعرفه.
ومن هنا، فإن السؤال ليس:
هل سبب ضعف الوعي هو التعليم أم التربية أم المجتمع؟
فكل واحد منها يؤثر، لكن لا يستطيع أحدها بمفرده أن يصنع إنسانًا واعيًا.
فالأسرة تضع الأساس، والمدرسة تمنح المعرفة، والمجتمع يصقل السلوك، والتجارب توسّع الإدراك، والقراءة والحوار يفتحان آفاق التفكير، لكنّ الإنسان نفسه يبقى شريكًا أساسيًا في صناعة وعيه.
إنّنا بحاجة إلى أن نعيد تعريف النجاح في تربية أبنائنا. فليس النجاح أن يحصلوا على أعلى الدرجات فقط، ولا أن يحملوا الشهادات الجامعية فحسب، وإنّما أن يمتلكوا عقلًا يسأل، وضميرًا يميّز، ونفسًا تقبل المراجعة، وقلبًا يحترم الإنسان المختلف.
فالمجتمع الواعي لا يصنعه كثرة المتعلمين فقط، وإنّما تصنعه كثرة الذين يعرفون كيف يستخدمون علمهم، وكيف يفكّرون، وكيف يراجعون أنفسهم، وكيف يتحمّلون مسؤولية أثرهم في الآخرين.
وهنا يكمن دور الوعي الحقيقي: أن ينقل الإنسان من مرحلة ”أنا أعرف“ إلى مرحلة ”أنا أفهم“، ومن ”أنا أعتقد“ إلى ”أنا أستطيع أن أراجع“، ومن ”الآخر هو المشكلة“ إلى سؤال أكثر نضجًا: ”ما دوري أنا في المشكلة؟ وما الذي أستطيع أن أغيّره؟“
فربّما لا نستطيع أن نغيّر المجتمع كله، لكنّنا نستطيع أن نبدأ بالإنسان الذي أمامنا… وبأنفسنا أولًا.



