الأربعاء 21 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

إكس «X» … كيف صار للمجهول اسم؟

فوزي آل غريبالأربعاء 21 أكتوبر 2026، 11:27 ص
إكس «X» … كيف صار للمجهول اسم؟

في درس الرياضيات، كنّا نبحث عن قيمة المجهول، ونشعر بالرضا حين نصل إلى الإجابة. نكتب حرفًا صغيرًا، نُجري حوله العمليات، ثم نعلن في نهاية السطر أنه يساوي عددًا محددًا. لكننا، وسط انشغالنا بالحل، ربما لم نتوقف عند سؤال يسبق المعادلة نفسها: لماذا يمثّل هذا الحرف ما لا نعرفه؟ وكيف أصبح X اسمًا للمجهول؟

يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يفتح نافذة على تاريخ الكتابة الرياضية، وعلى الطريقة التي نمنح بها الأشياء أسماءً قبل أن نفهمها تمامًا. فحين نكتب رمزًا لقيمة نبحث عنها، نكون قد منحناها مكانًا نستطيع أن نعود إليه، وأن نبني حوله سؤالًا واضحًا.

والحرف الذي نعرفه من الأبجدية الإنجليزية ينتمي إلى الأبجدية اللاتينية، واستخدامه للمجهول اصطلاح رياضي، وليس معنى كامنًا في شكله. فلا شيء في تقاطع خطّيه يفرض أن يكون رمزًا لعدد نبحث عنه. ولو استبدلنا به «س»، وأبقينا العلاقات الحسابية كما هي، لما تغيّرت النتيجة. المهم أن نحدد ما يمثله الرمز، وأن نلتزم بهذا التحديد أثناء الحل.

ولم يبدأ تمثيل المجهول مع X. فقد عرف تاريخ الرياضيات طرائق مختلفة للتعبير عنه، بالكلمات والاختصارات والحروف. استخدم ديوفانتوس رمزًا يونانيًا للمجهول قبل ديكارت بقرون، ثم وضع الرياضي الفرنسي فرانسوا فييت سنة 1591 نظامًا يميّز فيه بين الكميات المجهولة والمعلومة، مستخدمًا الحروف المتحركة للأولى والساكنة للثانية. وهكذا كانت الحروف تؤدي أدوارًا رياضية قبل استقرار الاصطلاح المألوف لنا.

أما المحطة الأساسية في قصة x وy وz, فتقود إلى رينيه ديكارت وكتابه «الهندسة» الصادر سنة 1637. استخدم ديكارت الحروف الأولى من الأبجدية، مثل a وb وc, للكميات المعلومة، والحروف الأخيرة، مثل x وy وz, للمجهولة. وفي أجزاء من الكتاب، غلب استخدام x. لكن هذه الشواهد لا تمنحنا تفسيرًا قاطعًا لسبب تفضيله تحديدًا؛ فتوثيق الاستعمال أمر، ومعرفة الدافع وراء الاختيار أمر آخر.

عند هذه المسافة بين الموثّق وغير المحسوم، تظهر رواية تربط X بكلمة «شيء» العربية. تقول الرواية إن الكلمة، التي استُخدمت للتعبير عن المجهول في الجبر العربي، نُقلت إلى حروف لاتينية بصيغة مثل «xei»، ثم اختُصرت إلى حرفها الأول.

تبدو الحكاية متماسكة للوهلة الأولى، لكن حلقاتها تحتاج إلى إثبات. فقد استخدم الخوارزمي بالفعل كلمات مثل «شيء» و«جذر» في التعبير عن المجهول، غير أن ذلك لا يثبت أن الرمز x اشتُق منها. وبيّن مؤرخ الرياضيات فلوريان كاجوري غياب الدليل التاريخي على هذا الاشتقاق. كما أوضح الباحث لي هارتمان أن وجود كتابة لاتينية للكلمة العربية في مادة لغوية لا يبرهن على استخدامها بهذه الصورة داخل المعادلات.

لذلك تبقى الرواية فرضية غير مثبتة. ولا ينتقص هذا التمييز من تاريخ الجبر العربي؛ إنما يمنعنا من تحويل صلة محتملة إلى واقعة مؤكدة. فتاريخ الأفكار يستحق أن نقرأه بما تسمح به شواهده، حتى عندما تترك بعض أسئلتنا مفتوحة.

ولنعد إلى وظيفة الحرف بعيدًا عن الخلاف حول أصله. عندما نكتب المعادلة x + 3 = 7، فإننا نسأل: أيّ عدد نضيف إليه ثلاثة ليصبح الناتج سبعة؟ الإجابة هي أربعة؛ لأن 4 + 3 = 7. إذن، قيمة x هي أربعة، أما الثلاثة فهي العدد المضاف إليه. هكذا يمنحنا الحرف مكانًا للعدد الذي نبحث عنه، ونستخدم العلاقة المعلومة للوصول إلى قيمته.

ويمكن أن تتضح فائدة الرمز أكثر حين تتغير الأعداد. فإذا كان السؤال عن عدد نضيف إليه خمسة فنحصل على اثني عشر، نستطيع كتابة العلاقة نفسها بطريقة موجزة، ثم حلّها. يمنحنا الحرف موضعًا ثابتًا للقيمة المطلوبة، مهما تغيّرت تفاصيل المسألة. وفي هذا الموضع، يصبح ما نجهله جزءًا من تفكير منظم يمكن مراجعته خطوةً خطوة.

ومن هنا يمكن قراءة X بوصفه صورة صغيرة للتعامل مع الأسئلة: نحدد موضع النقص في معرفتنا، ونكتب ما نملكه من معطيات، ثم ننظر فيما تسمح لنا باستنتاجه. وقد نصل إلى جواب، وقد نكتشف أن المعلومات لا تكفي، فنصبح أقدر على تحديد ما نحتاج إلى معرفته.

حتى السؤال عن تاريخ هذا الحرف يستدعي المنهج نفسه. نعرف أين نجد استعمالًا موثّقًا له، ونفحص الروايات التي تفسّر أصله، ونتوقف حين ينتهي الدليل. وتظل عبارة «لا نعرف على وجه اليقين» إجابة أمينة، تترك للبحث فرصته.

لعل أجمل ما في X أنه يحتفظ بمكان للإجابة قبل وصولها. حرف صغير نضعه على الورق، ثم نبدأ العمل؛ كأننا نقول للمجهول: لقد حدّدنا موضعك، وبدأنا الطريق إلى معرفتك.