الجمعة 23 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

يأتِ بها الله… حين تضيق الأسباب

محمد الدعيلجالجمعة 23 أكتوبر 2026، 3:33 م
يأتِ بها الله… حين تضيق الأسباب

جميل أن تستقر في أعماقنا هذه الآية الكريمة: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ، فتكون لنا نافذة أمل حين تضيق النوافذ، وطمأنينةً حين تتزاحم المخاوف، ويصبح الطريق أمامنا غامضًا لا نرى له نهاية.

إنها رسالة إلى قلوبنا بأن نأخذ بالأسباب، ونسعى، ونجتهد، لكن دون أن نعلّق قلوبنا بها؛ فالأسباب لا تصنع الأقدار بذاتها، وإنما تجري بمشيئة الله، فربما أُغلِق بابٌ حسبناه نجاتنا، ليفتح الله لنا من حيث لا نحتسب أبوابًا لم تخطر لنا على بال.

كم من أمرٍ ظنناه مستحيلًا، ثم جاءنا على حين غفلة، وكم من بابٍ أطلنا الوقوف أمامه فلم يُفتح، فإذا بأبواب أخرى تنفتح لنا دون موعد أو استئذان!

إنها الحياة التي تعلّمنا أن قدرتنا على التخطيط لا تعني قدرتنا على التحكم في النتائج، وأن الأسباب، مهما بلغت قوتها، تظل جزءًا من تدبير الله، لا تملك من أمرها شيئًا إلا بإذنه.

﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ؛ آية تختصر مسافة طويلة من القلق، وتعيد القلب إلى موضعه الصحيح: السعي مسؤليتنا أما النتائج فبيد الله.

وليس معنى ذلك أن كل ما نتمناه سيأتينا بالصورة التي رسمناها، أو في الوقت الذي حددناه؛ بل أن نثق بحكمة الله، ونحسن الظن به، ونرضى بتدبيره، ونحن نوقن أن علمه أوسع من علمنا، وأن رحمته أعظم من مخاوفنا.

فلا تستنزف روحك في محاولة معرفة كيف ستجري الأمور، ولا تجعل قلق الغد يسرق منك سكينة اليوم.

ثم تأمل ختام الآية بصفتي الله: لطيف خبير؛ فهو سبحانه خبير بما تخفيه صدورنا، وبما يثقل أرواحنا، وبما نرجوه ولا نستطيع البوح به، يعلم تفاصيل حكايتنا، والحكمة فيما نمر به، ويقدّر الأمور بحكمته، ويدبّرها بلطفه، وإن خفيت علينا وجوه الخير فيها.

فلا تستعجل فرجًا تأخر، ولا تيأس من أمر استعصى، ولا تظن أن انغلاق الأبواب نهاية الطريق؛ فقد يأتيك لطف الله في صورة لم تتوقعها، وفي وقت لم تحسب له حسابًا، ومن طريق لم يخطر لك على بال.

اسعَ وكأن الأمر يحتاج إلى كل جهدك، وتوكّل وكأن الأمر كله بيد الله؛ فبين سعيك الذي تؤجر عليه، وتدبير الله الذي لا تحيط به، مساحة واسعة من الطمأنينة.

خذ بالأسباب، وأحسن التوكل، وأرح قلبك من عناء التدبير؛ فليس مطلوبًا منك أن تعرف كيف يأتي الفرج، بل أن تثق بمن بيده مفاتيح الفرج.

يأتِ بها الله… وما أعظمها من عبارة، حين يعجز العقل عن تصوّر المخرج، ويظل القلب مؤمنًا بأن لربّ العالمين تدبيرًا أجمل من كل ما نخطط له.