فردانية الجراح وإشكالية التعميم: التقاعد مثالًا


كتب الدكتور بول ماكوبري «Paul McCoubrie»، في مقالته «الجراح المتقاعد» على منصة BJS Academy, عن التقدم في العمر والتقاعد لدى الجراحين. وقد وقع المقال، في تقديري، في إشكاليات تتعلق بالتعميم، واستخدام تعبيرات رنانة، ثم في المعنى الذي يمنحه للعمل والتقاعد. ومع أن المقال يحمل طابعًا شخصيًا ساخرًا، ويصف جانبًا من التجربة البريطانية، فإن بعض عباراته تستدعي مناقشة تتجاوز الانطباعات والتقسيمات العمرية.
أبدأ من فردانية الجراح؛ ففهم موقفه من التقاعد يحتاج إلى معرفة حياته التي يعيشها بالفعل، وما حققه من رغباته، وما أجّله منها. ومن هنا تبرز أسئلة لا يصح تجاوزها عند مناقشة هذا الموضوع.
السؤال الأول: هل يستمتع الجراحون بحياتهم خلال الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، أم يؤجلون متعهم ومشروعاتهم الشخصية إلى ما بعد التقاعد؟
لنأخذ السفر مثالًا بسيطًا. اسأل الجراح: كم بلدًا زرت مع أسرتك، للسياحة أو في رحلات جمعت بين العمل والسياحة، قبل بلوغك الخمسين؟ قد يقول أحدهم: «أجّلت معظم رحلاتي إلى ما بعد التقاعد». وقد يقول آخر: «لقد سافرت كثيرًا حتى شبعت من السفر، ولم تبق وجهة أرغب فيها إلا زرتها».
هذان الجراحان يختلفان في تجربتهما وتطلعاتهما. الأول قد ينتظر التقاعد لتحقيق رغبات أجّلها سنوات، والثاني عاش هذه التجارب بالفعل، ولا ينتظر مغادرة غرفة العمليات ليبدأ الاستمتاع بحياته. فكيف نفترض أن التقاعد يحمل المعنى نفسه لكليهما؟
والسؤال الثاني: ما مدى اندماج الجراح في مجتمعه؟ هل يشارك أهله وأصدقاءه أفراحهم وأتراحهم؟ هل يحضر المجالس العائلية واللقاءات الأسبوعية، ويحافظ على صلاته الاجتماعية؟ أم ينكفئ على عالمه الخاص، ويؤجل هذه المشاركات إلى ما بعد التقاعد؟
ثمة فرق بين جراح يعيش حضوره الاجتماعي طوال مسيرته المهنية، وآخر ينتظر التقاعد ليمنح هذا الجانب من حياته وقته واهتمامه. فمن اعتاد لقاء أهله وأصدقائه ومشاركتهم مناسباتهم قد لا يرى في التقاعد ذلك التحول الاجتماعي الكبير الذي يتطلع إليه من أجّل هذه المشاركات. واختلاف نمط الحياة هنا يغيّر معنى التقاعد نفسه.
والسؤال الثالث: هل أُخذ التدرّج الوظيفي وتغيّر طبيعة العمل في الحسبان؟ ففي الأنظمة التي ينتقل فيها الجراح من المناوبة في الخط الأول إلى الثاني ثم الثالث، قد تقل مباشرته للحالات وعدد مناوباته، وتتوزع المسؤوليات بصورة تخفف عنه بعض الجهد البدني. أي إن التخفف من الأعباء قد يبدأ داخل المسيرة المهنية نفسها. فلماذا يُناقش التقدم في العمر وكأن عبء العمل يظل ثابتًا منذ بدايته حتى نهايته؟
ثم ما مقدار القدرة العضلية التي يحتاج إليها الجراح لإتمام عمله؟ وهل تتشابه متطلباته مع متطلبات العامل في الشوارع والبناء والإنشاءات، أو متسابق الماراثون ولاعب كرة القدم؟ بعض العمليات تتطلب جهدًا معتبرًا ووقوفًا طويلًا، لكن تقدير هذا الجهد يحتاج إلى النظر في تخصص الجراح ونوع العملية وبيئة العمل. فغرفة العمليات المجهزة، وإمكان الجلوس في بعض الإجراءات، والأدوات الكهربائية، ومساندة الفريق، كلها تدخل في هذا التقدير.
لذلك، فإن استدعاء الذروة البدنية عند الثامنة والعشرين، أو تقديم الخامسة والأربعين إلى الخمسين بوصفها فترة الأداء الأمثل، يحتاج إلى توضيح أساس هذه الأرقام وحدود تطبيقها على الجراح الفرد. ما الصلة بين بلوغ أقصى أداء عضلي وبين استمرار الكفاءة الجراحية؟ وكم نحتاج من تلك الذروة أصلًا لممارسة تخصصاتنا بأمان وإتقان؟
إن طريقة عرض هذه الأرقام تمنح النقاش نبرة تشاؤمية، وقد تحجب السؤال الأهم: ما الذي يستطيع هذا الجراح بعينه أداءه اليوم؟ أما نحن، الجراحين الشباب في الستين، فنرجو ألّا يُحكم على مستقبلنا المهني بمقاييس عدّائي الماراثون!
أما تصوير نظرة جيل سابق إلى التقاعد بأنها «هاوية»، وربط التمسك بالعمل بوهم القدرة المطلقة، فيحتاج إلى تمييز بين الأشخاص ودوافعهم. فقد يستمر جراح لأنه قادر على العمل ويجد فيه متعة ومعنى، وقد يختار آخر التخفف منه أو التوقف عنه. ولا يكفي اختيار أحد المسارين للحكم على صاحبه بالكبرياء أو النضج.
وكذلك الحال في استخدام مفهومي «الذكاء السائل» و«الذكاء المتبلور». فنقد طريقة توظيفهما لا يستلزم إنكار المفهومين، لكنه يستدعي السؤال عن مقدار ما يفسرانه من أداء جراح بعينه، وعن حدود الانتقال من الحديث عن تغير القدرات مع العمر إلى الحكم على كفاءة شخص محدد. فالمصطلح العلمي يحتاج إلى بيان صلته بالنتيجة التي يُستدعى لتأييدها.
وتبقى الإشكالية الأكبر في معنى العمل والتقاعد. يستشهد الكاتب بمقولة لمارك توين، مفادها أن العمل هو ما يُفرض على المرء القيام به، واللعب هو ما لا يُفرض عليه. قد تكون العبارة طريفة في سياقها الأدبي، لكنها تصبح غير دقيقة إذا اتُّخذت تعريفًا للعمل الذي نتقاعد منه.
فبحسب هذا التعريف، تصبح الزيارة الاجتماعية التي تؤديها من باب اللياقة عملًا، واستخراج بطاقة الأحوال المدنية عملًا، ومرافقة زوجتك إلى موعد العيادة عملًا أيضًا. وكل هذه التزامات تستمر بعد انتهاء الوظيفة. فمتى يتقاعد الإنسان، إذن، إذا كان كل ما ينبغي له فعله يُعد عملًا؟
إن التقاعد من الوظيفة الحكومية، أو من الممارسة المهنية التي تدر دخلًا، لا يعني التقاعد من سائر أعمال الحياة. كما أن كون الجراحة مصدر دخل لا يمنع أن تكون مصدر متعة ورضا لصاحبها، مثلما لا يخلو وقت المتقاعد من مسؤوليات يؤديها حتى حين لا يرغب فيها.
ومن هنا أتفق مع الدعوة إلى التقاعد التدريجي التي يتبناها الكاتب أيضًا. وأرى أن هذا التدرج يُفهم ضمن حياة الجراح كاملة؛ فيخفف أعباءه بحسب قدرته وظروفه، ويعيد توزيع وقته ومسؤولياته، مع الحفاظ على ما يمنحه الرضا من عمل وعلاقات واهتمامات. وقد يكون قد بدأ هذا التدرج فعلًا قبل أن يسميه تقاعدًا.
وإذا استحضرنا مقولة «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، أمكن أن نضيف إليها: أنا أناقش، إذن أنا موجود. أنا أعمل، إذن أنا موجود. أنا أنتج، إذن أنا موجود. فالعمل والمناقشة والإنتاج من صور حضور الإنسان وأثره، والتقاعد الذي يقطع عنه كل مشاركة قد يُشعره بأنه أُخرج من دائرة الوجود المؤثر.
ولهذا أرى العمل والإنتاجية طيفًا مستمرًا عبر الحياة؛ قد يزداد وضوحه في مراحل تبلغ فيها القدرة والإنتاج ذروتهما، ثم تتغير شدته أو صورته مع تبدّل الظروف. وحين تدعو الحاجة إلى تخفيف العبء، ينبغي أن يتناسب هذا التخفيف مع أداء المرء وقدرته، وأن يجري تدريجيًا متى أمكن، عوضًا عن توقف حاد يقطع صلته بكل ما يستطيع تقديمه.
وتُدرس كل حالة على حدة بحسب معطياتها، ويُبنى قرار الاستمرار أو التخفف أو التوقف على الكفاءة والقدرة والظروف، بما يحفظ سلامة الممارسة. فالقواعد العامة ينبغي أن تترك مجالًا لتقييم الفرد، وأن تراعي اختلاف الجراحين في حياتهم وتطلعاتهم وأدائهم.
وأستحضر في ختام هذا التأمل قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].
أستحضر الآية تذكيرًا بمسؤولية العمل وأثره في حياتنا. والتقاعد من وظيفة يترك للإنسان أبوابًا أخرى للعمل النافع، بحسب استطاعته وما يجده فيه من رضا ومعنى.



