هل نحن مستعدون ليوم الصمت الرقمي؟


في عالمٍ أصبحت فيه البيانات شريان الحياة، والاتصالات عصب الاقتصاد، والإنترنت جسر الخدمات والمعاملات، يبرز سؤالٌ يستحق التأمل قبل أن تفرضه الأزمات: ماذا لو انقطع الإنترنت؟ هل تتوقف المصارف، وتتعطل المطارات، وتغلق المدارس، وتصاب المؤسسات بالشلل والانهيار؟
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية خلال جائحة كورونا أن القيادة الحكيمة لا تنتظر الأزمات لتبحث عن الحلول، بل تستبق الأخطار بالتخطيط، وتواجه التحديات بالتنظيم والتطبيق. فقد سخّرت حكومتنا، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، إمكاناتها لحماية المواطن والمقيم، وصيانة الصحة والتعليم، واستمرار الأعمال والخدمات، وترسيخ الأمن والأمان.
وكانت تجربة التعليم والعمل عن بُعد شاهدًا على نجاح التحول الرقمي؛ إذ أفاد البنك الدولي بأن نحو 98% من الطلاب دخلوا منصة «مدرستي». لكن نجاح الاتصال يطرح سؤالًا أشد إلحاحًا: ماذا لو فقدنا الاتصال؟
في ظل التقلبات الجيوسياسية، لم يعد انقطاع الإنترنت احتمالًا تقنيًا فحسب، بل خطرًا اقتصاديًا وأمنيًا يستحق الاستعداد والاحتياط.
وهنا تبرز ثلاثة مسارات جديرة بالدراسة:
أولًا: الإنترنت الفضائي. هل يمكن الاستفادة من أقمار «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك، أو غيرها من الأنظمة الفضائية، بوصفها خطوط اتصال احتياطية؟ نعم، وفق التراخيص والجاهزية الفنية، لكنها ليست ضمانًا مطلقًا، ولا بديلًا كاملًا عن الشبكات الأرضية.
ثانيًا: الشبكة الوطنية المستقلة. بنية اتصال داخلية آمنة، تحت السيادة الوطنية، تتيح استمرار الخدمات الحكومية والمصرفية والتعليمية والصحية، حتى عند تعطل الاتصال الدولي، مع المحافظة على الانفتاح العالمي في الظروف الطبيعية.
وليست الفكرة خيالًا؛ فقد احتفظت إيران ببعض خدماتها المحلية خلال انقطاع الإنترنت الدولي عام 2019، واختبرت روسيا في العام نفسه قدرة شبكاتها على العمل بصورة مستقلة. وهي تجارب تقنية تستحق الدراسة، دون استنساخ سياساتها أو قيودها.
ثالثًا: خطط الاستمرارية. تجهيز المؤسسات بأنظمة احتياطية، وقواعد بيانات محلية، ووسائل اتصال بديلة، مع اختبارات دورية تحاكي الانقطاع وتكشف مواضع الضعف قبل وقوع الخطر.
والمملكة، بحمد الله، لم تغفل هذه التحديات؛ فقد أرست الجهات المختصة تنظيمات لاستمرارية الأعمال، وإدارة المخاطر، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية.
إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على العمل حين تتوافر الوسائل، بل بقدرتها على الاستمرار حين تتعطل الوسائل.
فالأمن ليس حماية الحدود وحدها، بل حماية الخدمات واستقرار البلاد؛ والسيادة ليست سيادة الأرض فحسب، بل سيادة القرار والاتصال والمعلومات.
فلنجعل الإنترنت وسيلةً للتقدم، لا نقطةً للضعف؛ ولنستعد للانقطاع قبل الوقوع، فحكمة الأوطان أن تستعد في الرخاء لما قد تواجهه في الشدة والابتلاء.



