قرارك في التقاعد قرارُ ترتيب لا قرار قطيعة


كثيرًا ما نسمع مناداةً تتكرر كأنها وصفة جاهزة: ”اعتنِ بنفسك“، ”لا تبالِ بالآخرين“، ”إن تجاوزت عقدك الخامس فلك أن تقلل من الجهد“، ”يكفي ما فعلته سابقًا“، ثم تُعرض فكرة الانسحاب من الحياة العامة أو الاجتماعية بوصفها تهذيبًا للذات لا ظلمًا للغير. بينما الباري عز وجل يؤكد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7-8]، وقال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]. هذه بعض الآيات المباركات تشكل هداية لخط عام في حياة الإنسان، وتعطيه بصيرة ينبغي له أن يتبعها بعد التأمل والتدقيق في مضمونها، ويعبر بعضهم عنها بأنها تصنع رؤية كونية للإنسان.
لا ننكر أن سنًّا متقدمة تحتاج إلى رفق بالبدن، واحتواء للطاقات، وتقدير لما بذله الإنسان في سنوات العمر، لكن المشكلة ليست في طلب الراحة، بل في تحويل الراحة إلى ذريعة أخلاقية، وتبديل الحدود الصحية إلى قطيعة اجتماعية، ثم تزيين ذلك بخطاب لا يكتفي بتخفيف المسؤولية، بل يطالب بإلغاء معنى ”الإحسان“ و”صلة الرحم“ و”حفظ الحقوق“ بحجة أن الوقت قد انتهى.
أولًا: لا شك أن الراحة حق، لا ترخيص للإهمال؛ فالراحة ليست عيبًا، وهي أحيانًا ضرورة طبية أو نفسية، لكن الحق في الراحة لا يعني أن يصبح الإنسان غير مسؤول. فالإنسان قد يخفف جهده، لا أن يقطع وجوده الإنساني؛ إذ يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات: راحة صحية «تقليل العمل بسبب تعب حقيقي»، وراحة ترتيبية «إعادة توزيع المسؤوليات بما يناسب الطاقة»، وراحة انقطاعية «انسحاب يبرر بأنه ”لا أريد“ و”لا أبالي“». المستوى الثالث هو الأكثر خطورة؛ لأنه يحول مفهوم الرعاية الذاتية من قيمة إلى قناع.
ثانيًا: ”عدم الإزعاج“ قد يتحول من معنى صحيح إلى قسوة مموهة؛ فمن حق الإنسان ألا يستنزف نفسه في تفاصيل لا تناسبه، ولا أن يُكره على ما لا يستطيع، لكن حين يُصاغ الانسحاب بصيغة: ”لا أريد أن أزعج نفسي“، يصبح التعبير كأنه شهادة إعفاء أخلاقية. إن الإحسان لا يحتاج دائمًا إلى جهد شاق؛ فأحيانًا يحتاج إلى كلمة طيبة، وسؤال عن حال مريض، ومشاركة في مناسبة، ونصيحة مشفقة عند الحاجة، وحضور باحترام دون إرهاق. فالقول: ”لا أريد أي عمل“ ليس دائمًا قرارًا صحيًّا، وقد يكون - كما يحدث - قرارًا لتبرير البعد.
ثالثًا: التقاعد قرار إداري، لا إلغاء للمعنى الإنساني؛ فكثيرون ينطلقون من فكرة: ”تقاعدت“ إذن ”لا ألتزم“، لكن العمل الذي قامت به اليد سابقًا لم يكن المرء ”مرغمًا عليه“ في جوهره، بل كان خيارًا ومسؤولية تجاه الأسرة والمستقبل. وإذا كان الإنسان قد عاش المسؤولية سابقًا باختياره، فمن التناقض أن يغير المعنى عند نهاية العمر، كأن ما صنعه صار منة ثم انتهت المنة! فالأولى أخلاقيًّا أن نقول: ”لم يعد واجبي عملًا وظيفيًّا، لكنه يبقى واجبي الإنساني“.
رابعًا: عدم المبالاة بالآخرين عبارة أخلاقية مقلقة؛ فالأنفة من التطفل على الناس مفهومة، لكن ”عدم المبالاة“ ليست قيمة، بل هي انطفاء تدريجي للعلاقة. وكم من إنسان يبرر بروده بعبارات كبيرة، ثم يُكتشف لاحقًا أنه لم يترك العمل فحسب، بل ترك حقًّا من حقوق المحبة والرحمة. قد تتغير الأدوار، لكن لا يصح أن تُسلب المبادئ من معناها.
خامسًا: الفرق بين حدود صحية وقطيعة معنوية؛ فليس المطلوب أن يظل المرء في دوامة اجتماعية، ولا أن يعيش كأنه لم يتقدم به العمر، وإنما المطلوب ألا تتحول الحدود إلى عقاب للناس، وألا يصير الانسحاب رسالة: ”أنا فوق المسؤولية“. فالإنسان الحكيم يختار؛ فيقلل الاحتكاك بما يجهده، ولا يقطع الإحسان عمن يحتاجه، ويوازن بين نفسه والآخرين، ويحفظ كرامته دون ظلم غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 4-7].
إن الدعوة إلى الاعتناء بالنفس بعد سن متقدمة دعوة سليمة في أصلها، لكنها قد تنقلب إذا صيغت تبريرًا للتخلي. فالراحة فضل، لكن ”التخلي“ ليس فضيلة، بل هو خطر عندما يُفهم على أنه حق في الانعدام: فلا عمل، ولا مساندة، ولا تواصل، ثم تقدم القطيعة على أنها رقي.
فلنقل الحقيقة المتوازنة: أنت تستحق راحة، نعم، لكنك لا تستحق أن تُميت معنى إنسانيتك. حدودك الصحية تحفظك، أما انسحابك الإنساني فيجر العلاقات إلى الفتور ثم الفقد، ولذلك ينبغي أن يكون قرارك في التقاعد قرار ترتيب لا قرار قطيعة.



