الأحد 25 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هذا بيتي

الدكتور إحسان علي بوحليقة · صحيفة مالالأحد 25 أكتوبر 2026، 12:37 م
هذا بيتي

حين سُئل الموظف في «أرامكو» عن الدافع الذي حمله على تشغيل مضخات المياه تباعاً لإخماد حريق نشب في منشأة تعرضت لهجوم إرهابي من الحوثيين، رغم المخاطر المباشرة التي لحقت به، أجاب: «هذا بيتي»، هذا الجواب يختصر سلوكاً يتجاوز حساب المنفعة الخاصة الآنية، ويكشف عن علاقة أعمق تربط العامل بالأصل الإنتاجي؛ علاقة لا تقتصر على عقد العمل، بل تمتد إلى الولاء للوطن الذي تمثله هذه المنشأة بوصفها مورداً وطنياً.

في العلاقات التعاقدية بين المالك والعامل، يُفترض - في المنظور الذاتي - أن العامل يوازن بين الأجر والمخاطر الشخصية، وأن المالك يتحمل تكاليف المراقبة لضمان ألا ينحرف سلوك العامل عن مصلحة المنشأة. قرار الموظف هنا يقلل هذه التكاليف عملياً. فهو لم ينتظر تعليمات إضافية، ولم يُفاضل بين سلامة الأصل وسلامته الشخصية وفق معادلة ضيقة. هذا التقارب بين مصلحة العامل ومصلحة المنشأة بمنظوره الوطني الأوسع يخفض الحاجة إلى آليات رقابة خارجية مكلفة، ويزيد سرعة الاستجابة في ظروف تتسم بعدم اليقين الشديد. غير أن ما يمنح هذا السلوك قوته الإضافية هو الولاء للوطن؛ فالمنشأة ليست مجرد أصل تجاري، بل مورد وطني يرتبط استمرار إنتاجه باستقرار الإيرادات العامة وقدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته فحين يتحرك العامل بدافع هذا الولاء، فإنه يحمي جزءاً من الثروة الوطنية لا مصلحة شركة فحسب، فيعيد ترتيب أولوياته تحت الضغط ويقدم مصلحة وطنهِ بما يخدم استقرار المورد الوطني ككل.

الولاء للوطن هو العنصر الذي يزرع قوة إضافية داخل المنشأة ويحمي الاقتصاد من الصدمات؛ فهو يرفع قدرة العاملين على التحرك السريع دون انتظار توجيه مركزي، ويقلل من احتمالية التردد في اللحظات الحرجة، ويُحوّل جزءاً من رأس المال البشري إلى خط دفاع أول عن الأصل الإنتاجي. في اللحظات الأولى للصدمة، تتوقف سرعة الاستجابة على مدى استعداد العاملين للتحرك دون أوامر تفصيلية، وحين يكون الدافع حماية مورد وطني، فإن العاملين يختصرون زمن التعطيل ويخفضون حجم الإيرادات المؤجلة والخسائر غير المباشرة التي تصيب قطاعات أخرى، كما يقلل الولاء من تكاليف التنسيق والرقابة في ظروف عدم اليقين، لأن جزءاً من القوى العاملة يتصرف بما يحمي الأصل حتى في غياب التوجيه المباشر. على المستوى الكلي، ينعكس ذلك في انخفاض علاوة المخاطر التي يفرضها المستثمرون على الأصول الوطنية، واستقرار أكبر في تدفقات الإيرادات العامة، وتقليل الضغط على المالية العامة في إدارة الأزمات.

المرونة الاقتصادية، على مستوى الاقتصاد الكلي وعلى مستوى المنشآت الخدمية والإنتاجية، ليست محصلة عامل منفرد، بل نتاج جملة من العوامل: 1. فعلى المستوى الكلي تقوم على متانة المالية العامة والحيز المتاح لها، وكفاية الاحتياطيات والأصول السائلة، وسلامة القطاع المالي، وتنوع القاعدة الإنتاجية ومصادر الإيراد، وموثوقية شبكات الطاقة والنقل والاتصالات، ووجود بدائل لوجستية، وقدرة المؤسسات العامة على التنسيق السريع وإدارة الأزمات. 2. وعلى مستوى المنشأة، تتجسد في سلامة التصميم والتشغيل، وخطط استمرارية الأعمال، والصيانة الوقائية، وتدريب العاملين، ووضوح الصلاحيات، وتوافر المخزونات والمدخلات البديلة، وإدارة المخاطر والتأمين، والأمن السيبراني والقدرة الرقمية. 3. ويأتي الولاء المؤسسي والوطني ضمن منظومة العوامل هذه بوصفه المكوّن الذي يفعّل بقية الموارد في لحظة الاختبار الحرجة؛ فهو لا يغني عن الحماية الهندسية أو الإجراءات أو التمويل، لكنه يحولها من قدرات كامنة إلى استجابة عملية سريعة ومُبهرة تصنع الفرق، عندما يقدم العاملون جهداً استثنائياً لن تفلح التعليمات التفصيلية وحدها في تجسيده، فهو ينبع من دافع ذاتي يتجاوز الحسابات التكلفة والمنفعة.

على المستوى المؤسسي، عبارة ”هذا بيتي“ تعني درعاً إضافياً لحماية الأصول العامة والمؤسسية، هذا لا يلغي الحاجة إلى أنظمة الحماية الرسمية، لكنه يقلل الاعتماد الكلي عليها في اللحظات الأولى للأزمة، ويُسهم في بناء رأس مال اجتماعي يخفض تكلفة إنفاذ الالتزامات غير المكتوبة بين الدولة والعاملين. المستثمر، عند تقييم مخاطر الأصول طويلة الأجل، لا ينظر فقط إلى اللوائح والبنية التحتية، بل إلى مدى احتمالية أن تتصرف القوى العاملة بما يحمي استمرارية الإنتاج حتى في غياب التوجيه المباشر.

غير أن هذا الشعور بالملكية والولاء للوطن لا يتشكل تلقائياً، فهو نتيجة تراكم آليات تربط العائد الشخصي للعامل بأداء الأصل على المدى المتوسط والطويل، سواء عبر المشاركة في ملكية الأسهم، أو ربط جزء من التعويضات بنمو القيمة الاقتصادية للمنشأة، أو وضوح أن استقرار الدخل الأسري مرهون باستمرار تدفق الإنتاج. في غياب هذه الآليات، يظل السلوك الاستثنائي مقتصراً على الأزمات، ولا يتحول إلى نمط يومي يخفض تكاليف التشغيل العادية. وبالتالي فإن تعزيز هذا النمط يتطلب سياسات تُعيد توزيع جزء من عوائد الأصول على من يساهمون في حمايتها وتشغيلها، بحيث يصبح الدفاع عن المنشأة قراراً اقتصادياً رشيداً لا مجرد استجابة ظرفية. ولا يمكن هنا تجاوز أن للتدريب والتأهيل والرعاية - كما تمارسه شركة أرامكو هيكلياً - أثر جوهري في تحقيق ذلك.

«هذا بيتي» تجسد حرصاً على مقدرات الوطن وثرواته ومقدراته بوصفها امتداداً يتسع ليتجاوز أنانية الذات ليشمل مصلحة العموم ومستقبل الأجيال. هذا التوسع في نطاق الاهتمام يُنتج أثراً اقتصادياً يمتد إلى الاقتصاد الوطني ككل؛ فيرفع مرونة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية، فحماية الأصول الإنتاجية الكبرى لا تعتمد فقط على الإنفاق الحكومي أو على التأمين التجاري، بل على شبكة واسعة من الحوافز الفردية التي تُسرّع استعادة الطاقة الإنتاجية وتقلل حجم الخسائر المؤجلة. كما أنه يُخفض علاوة المخاطر على الأصول الوطنية، ويُعزز الثقة في استمرارية العرض، وهي ثقة تدعم استقرار الإيرادات العامة وتقلل الحاجة إلى تخصيص موارد إضافية لإدارة الأزمات، وتُعزز القدرة على جذب استثمارات طويلة الأجل. بعبارة أخرى، يتحول حرص الفرد على مقدرات الوطن إلى عامل يخفض تكلفة الصدمات على الاقتصاد الكلي، ويرفع كفاءة استخدام رأس المال المادي والبشري معاً، ويُسهم في بناء قدرة اقتصادية أكثر استقراراً وقدرة على استيعاب الاضطرابات دون فقدان كبير في الناتج أو في الثقة، والأهم من كل ذلك يرسل الرسالة الأبلغ عن مدى تعلق المواطنين بوطنهم بكل تفاصيلهِ ومقدراته.