الأحد 25 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حاضر بالجسد غايب بالروح!

عبد الله أبو رشيد · القطيف اليومالأحد 25 أكتوبر 2026، 2:18 م
حاضر بالجسد غايب بالروح!

من سوالف الحريم في فرقان القطيف

في فرقان القطيف القديمة، كانت للبيوت سوالف، وللحريم عتاب، وللرجال لحظات سرحان تفتح باب الظنون! فالرجل إذا سكت، تساءلت زوجته عن سبب سكوته، وإذا طال شروده، راحت بعض الظنون بعيداً، وربما فسّرت سرحانه بأن في حياته امرأة أخرى تشغل باله.

ويمكن ما به إلا تعب يومه، أو همّ شايله في صدره، أو خاطر أخذه بعيد عن اللي حوله؛ لكن الشك إذا دخل القلب، صار للصمت معنى آخر، وللنظرة تفسير، وللسرحان حكاية!

ومن وحي هذه المواقف الزوجية، صغتُ أبيات بلهجتنا القطيفية، تصوّر عتاب الزوجة التي ترى زوجها حاضر بجسده، غايب بفكره:

أنا إبيحال دهتني النوايب
وأنت إبيحال حاضر لكن غايب
يعني جسد من غير روح
وين بتروح؟
عساك صاقعة
مع أي حبايب!

«عساك صاقعة»؛ يا لها من قفلة شعبية فيها حرارة العتاب وحلاوة اللهجة! كلمة تطلع من قلب ضاق بالشك، وغلبته الغيرة، فعبّر عن ضيقه بعفوية لا تحتاج إلى تكلّف. وهذه الأبيات من صياغتي، استلهمتُها من مواقف الحياة الأجتماعية، وتركتُ لمفرداتها نكهة لهجتنا القطيفية.

لكن وراء سرحان الرجل حكاية أخرى قد لا تراها العين؛ ففي كثير من الأحيان، لا يكون شارد الذهن لانشغاله بامرأة أخرى، بل لأن أمراً أثقل صدره، وهمّاً ضاق به، ولا يريد أن ينقله إلى أسرته، حرصاً منه على ألّا يُثقل صدورهم بما أثقل صدره.

وهنا مفارقة الموقف؛ فقد يستقبل الرجل «الصاقعة» من زوجته، لا لأنه لا يبالي بعتابها، بل لأنه يتحمّل ما يستطيع من أعباء الحياة، ويحاول أن يحمي بقعته الصغيرة، بيته وأهله، من صواعق الهموم التي تتربّص به.

فهو لا يريد أن يقول: «يا صقعة، أكلي بقعة!» بل يريد أن يحول دون وصول الصقعة إلى بقعته، ولو كان ثمن ذلك أن يتحمّلها وحده.

فبعض الرجال لا يُتعبهم حمل الهمّ بقدر ما يُتعبهم أن يروا أثره في وجوه من يحبون. وقد يكون سرحانهم محاولة لحماية البيت، لا غياب عنه؛ فهم يحملون أوجاعهم بصمت، لا لأنهم لا يحتاجون إلى من يسمعهم، بل لأنهم يخشون أن تمتد أوجاعهم إلى من يحبون.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يصبح الصمت جداراً بين الزوجين، ولا أن تتحوّل المخاوف إلى اتهامات. فالزوجة من حقها أن تطمئن، والزوج من حقه أن يجد مساحة يبوح فيها بما يثقله، من دون أن يُساء فهمه أو يُحمَّل فوق همّه همّاً آخر.

وهنا تأتي قيمة المودّة والرحمة؛ أن تسأل الزوجة قبل أن تظن، وأن يطمئن الزوج إلى أن بيته ليس مكان يخفي فيه أوجاعه فحسب، بل ملاذٌ يجد فيه من يشاركه حملها.

فليست كل غيبة غياباً، ولا كل سرحان وراءه حكاية حبّ أخرى؛ فقد يكون الرجل غارق في التفكير كيف يعبر بأهله إلى برّ الأمان، بينما يظنّونه منشغل عنهم.

وبين زوجة تخشى أن يسرقها قلب زوجها، وزوج يخشى أن تسرق الهموم راحة أسرته، تبقى الثقة جسر، والحوار أمان، والمودّة وطن صغير يستحق أن نحميه من صواعق الحياة.