الأحد 25 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا!

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 25 أكتوبر 2026، 2:20 م
رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا!

ضع قدميك بلطف في المقبرة عندما تمشي فوق القبور. أنت تمشي وتدوس هامةَ أخٍ أو أب أو ابن أو بنت أو زوج حبيب!

ماذا نكون لولا رهبة الموت؟ الله أعلم أي مخلوق نكون! "فيا منْ توحَّد بالْعزِّ والْبقاء، وقهر عباده بالْموْت والْفناء…".

في الدنيا من يسكن قصرًا فخمًا، من يسكن دارًا واسعة، أو يسكن شقةً صغيرة. كلهم بعد الموت يسكنون حفرة عرضها متر واحد وطولها متران وعمقها أقل من مترين. يسكنون في جزء منها يسمى "لحد" - شق في وسط القبر. في هذا العالم الفقراء لهم مساكن والأغنياء لهم مساكن. الغني يتلذذ كيف يشاء، أما الفقير فيعيش على قدر ما يملك!

مساحة صغيرة يتناوب عليها أنماط من البشر؛ غني وفقير، صغير وكبير، عالم وجاهل، ذكر وأنثى. لا يعرف القبرُ من يسكن فيه. قبل عشرة أعوام دُفن فلان. اليوم يدفن فلانٌ آخر في ذات الحفرة!

الاختلاف في المساكن أشياء تخص الدنيا. أما في القبر الكل متساوون. لا يفرق الواحد عن الآخر إلا ما قدم لنفسه من عمل في الدنيا. قبور الفقراء والمحتاجين والأغنياء سواسية. قطعة أرض يتوارثها الناس بعدما يصير الجسد ترابًا ويعفى أثر القبر.

مشهد نراه كل يوم، يموت إنسان ونذهب إلى المقبرة، أو نزور المقبرة، مع ذلك لا نشعر بظلمة القبر ومصيبة الموت. أوفر الناس مالًا الذي يسكن دارًا يخدمه الخدام يأمر وينهي ويُفرش له فرش الحرير ينام على الأرض!

قصيدة المعري التي عنوانها "غير مجدٍ في ملتي واعتقادي" تضمنت الكثير من المشاهد والمواقف المملوءة بالعبرة. يستطيع القراء الكرام أن يطلعوا على القصيدة كاملة:

سِرْ إِنِ اسْطَعْتَ فِي الْهَوَاءِ رُوَيْدًا .. لَا اخْتِيَالًا عَلَى رُفَاتِ الْعِبَادِ
رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا .. ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الْأَضْدَادِ
وَدَفِينٍ عَلَى بَقَايَا دَفِينٍ .. فِي طَوِيلِ الْأَزْمَانِ وَالْآبَادِ
فَاسْأَلِ الْفَرْقَدَيْنِ عَمَّنْ أَحَسَّا .. مِنْ قَبِيلٍ وَآنَسَا مِنْ بِلَادِ

غير بعيد عن القصيدة، بل أبلغ منها، ما يروى من كلامٍ للإمام علي عليه السلام وقد رجع من صفين فأشرفَ على القبور بظاهر الكوفة:

قال (عليه السلام): "يَا أَهْلَ الدِّيارِ المُوحِشَةِ، والمحَالِّ المُقْفِرَةِ، والقُبوُرِ المُظْلِمَةِ، يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ، يَا أَهْلَ الغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الوِحْدَةِ، يَا أَهْلَ الوَحْشَةِ. أَنْتُمْ لَنا فَرَطٌ سابِقٌ، ونَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِقٌ. أَمَّا الدُّوْرُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وأَمَّا الأَزْوَاجُ فَقَد نُكِحَتْ، وأَمَّا الأَمْوالُ فَقَد قُسِمَتْ، هَذا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَما خَبَرُ مَا عِنْدَكُم؟. ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي اَلْكَلاَمِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ اَلزَّادِ اَلتَّقْوَى".

مشكلتي ليست في المواعظ، إنما مشكلتي أني أحول وجهي عندما أراها أو أسمعها! أشعر بالرهبة في المقبرة وساعة أخرج منها أقول: ابتعدوا عني فأنا لن أموت! ابتعدوا عني فأنا أعيش إلى الأبد!