حين يكون السؤال إرثًا


عرفته في بواكير حياتي، إذ تجمعني به صلة نسب بعيدة، غير أن ما جمعني به من روابط أخرى كان أوسع وأعمق. فقد كان زميلًا لوالدي في بدايات حياته، حين كانت الأحساء ترسل أبناءها لدراسة العلوم الدينية في حوزة النجف. جمعتهم الهجرة وحب العلم والشعر، فعاد أحدهما رجل دين، وعاد الآخر أديبًا. ولكلٍّ منهما رحلته التي انتهت بأحدهما محتضنًا من أسرته الكبيرة، محتفى بعودته، فيما عاد الآخر منفيًّا غريبًا.
وهكذا خسرنا حقبة زمنية ليست بالقليلة من معرفة هذا الأديب الكبير، الذي عاد فأعاد للشعر روحه. كانت روحه المثقلة بالأسئلة ثورةً على الجمود الذي طال كثيرًا من العقول فأخرسها. شرع الأبواب بشجاعة فائقة، وأطلق أسئلته كشهب نارية حرّكت الراكد وأنطقت الصامت، فكان رائدًا من رواد الشعر الحديث.
المعلّم الحقيقي هو من يحترم عقلي، ويأخذ بيدي نحو الأسئلة الشائكة، حتى وإن اختلفت معه، ويفتح صدره برحابة لمناقشتي، ويمنحني مساحة للقفز على أفكاره وتجاوزها.
ولعل علامات الاستفهام التي أحاطت بغربته هي ما جعلني أسعى إلى الوقوف عن قرب على تجربته الخارجة عن المألوف، ومحاولة فهم ذلك الأديب الذي لم تكن أسئلته مجرّد ترف فكري، بل كانت موقفًا من الحياة ومن كل ما استقرّ في العقول حتى غدا من المسلّمات.
كان لقاؤنا الأول عام 2017، مع مجموعة من الشابات والسيدات جمعهن حب السؤال وشغف البحث. كان لقاءً فوق الوصف؛ فقد بدا سعيدًا جدًا، لا لأننا أول وفد نسوي يلتقيه فحسب، بل لأنه وجد أمامه عقولًا تفكر، وأسئلة لم يتوقع أن تُطرح عليه.
ثم تلاه لقاؤنا الثاني عام 2018، مع مجموعة من الشابات الجامعيات ضمن برنامج «مسابقة كلمة»، الذي كان يُقام استعدادًا لمشاركتهن في مسابقة «أقرأ» الشهيرة، في سنواتها الأولى.
كانت العيون تتلألأ، ولم تخرج الشابات من مكتبته محمّلات بأجوبة لأسئلتهن بقدر ما خرجن وقد فُتحت أمام عقولهن الفتية أبواب ونوافذ نحو نور آخر؛ نور يعلّمهن أن عقولهن ليست سلعة تُباع وتُشترى، وأن الباحث والقارئ الحقيقي هو من يحترم عقله، ويتسلّح بالصبر والعزيمة والشجاعة لمواصلة الطريق.
فالباحث الحقيقي لا تقنعه الأجوبة الجاهزة، بل هو عصيٌّ على الاستسلام لها؛ يفتح السؤال في ذهنه ألف سؤال، ولا يكتفي بما يُقدَّم له من يقين مكتمل.
دخلن مكتبته وجلسن في حضرته، وهنّ يتوقعن أجوبةً لأسئلتهن الحائرة، لكنهن خرجن محمّلات بآلاف الأسئلة، وبروح أكثر شجاعة، وعزيمة تشبه الجبال، لمواصلة الدرب.
في الأعوام الأخيرة، حال وضعه الصحي دون زيارته، لكنه ظل حاضرًا في النقاشات الحية والدراسات التي تحاول فك الحصار عمّن خلّدوا أنفسهم بما تركوه من أثر. فالشمس يصل نورها، مهما غيّبتها السحب.
كل العزاء لأهله ومحبيه، ولروحه السلام.



