الخميس 29 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

إلى أين يأخذنا ما نحب؟

الدكتور أحمد الطويلالخميس 29 أكتوبر 2026، 4:23 م
إلى أين يأخذنا ما نحب؟

مقدمة:

قد يقضي الإنسان عمره في الوصول إلى ما يريد، ثم يكتشف متأخرًا أنّه لم يسأل نفسه يومًا: هل كان يستحقّ كلّ هذا العمر؟

نحن نعرف ما نحبّ، ونسعى إليه، ونفرح حين نقترب منه، لكنّنا قلّما نتوقّف لنسأل: إلى أين يأخذنا هذا الحبّ؟ أكلّ ما نرغب فيه جديرٌ بأن نمضي إليه؟ وهل تكفي لذّة الوصول لتجعل الطريق الذي سلكناه طريقًا يستحقّ أن نعيش فيه؟

ليست المشكلة دائمًا في الأشياء التي نحبّها، بل في الوجهة التي يقودنا إليها حبّها، وفي ما نتركه خلفنا ونحن نسعى إليها. فقد يبلغ الإنسان ما تمنّاه، ثم يكتشف أنّه خسر في الطريق أشياء لا تُعوَّض، أو أنّه وصل إلى غايته، لكنّه لم يعد الشخص الذي كان ينبغي له أن يكون.

ولعلّ القرآن، حين يفتح أمامنا هذا السؤال، لا يريد أن ينتزع من الإنسان رغباته، بل أن يوقظه إلى ما قد تغفله الرغبة حين تستولي على نظره.

ما الذي نطلبه حقًّا؟

يقول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ، [آل عمران: 14].

تضع الآية أمامنا مشهدًا واسعًا من محبوبات الإنسان: الأهل والأبناء، والمال، ومظاهر القوة والاقتناء، وما تمنحه الحياة من أسباب المتعة والامتداد. إنّها أشياء تتعلّق بها القلوب، وتُبنى حولها الأحلام، وقد تُنفق في سبيلها أعمار كاملة.

وتعبير الآية لافت؛ فهي تقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ . فهي لا تلفت النظر إلى الأشياء التي نرغب فيها فحسب، بل إلى الحبّ الذي يمنحها مكانتها في نفوسنا، وإلى الصورة التي تتشكّل لها في داخلنا حتى تبدو أحيانًا أكبر من حقيقتها.

فالإنسان لا يطلب المال دائمًا من أجل المال؛ قد يطلبه بحثًا عن الأمان أو المكانة، أو رغبةً في ألّا يحتاج إلى أحد. ولا يتعلّق بالنجاح لذاته فحسب؛ فقد يرى فيه اعترافًا بقيمته، أو تعويضًا عن نقص قديم. وربّما لم يكن ما نطارده هو الشيء نفسه، بل المعنى الذي نرجو أن يمنحنا إيّاه.

وهنا يصبح السؤال أعمق من أن يكون: ماذا نحبّ؟ إذ يغدو: ماذا ننتظر من هذا الذي نحبّه؟ وهل يستطيع حقًّا أن يمنحنا ما أودعناه فيه من آمال؟

ليس في ذلك دعوة إلى الارتياب في كلّ رغبة، أو إلى النظر إلى متاع الدنيا بوصفه شرًّا ينبغي الفرار منه. فالمحبوبات قد تكون نعمة، والمال بابًا للخير، والأسرة موضع سكن ورحمة، والعمل سبيلًا إلى عمارة الحياة. إنّما الخطر أن نحمّل الأشياء ما لا تحتمل، ثم نجعلها مقياسًا لقيمتنا أو غايةً تختصر معنى وجودنا.

فقد يكون الشيء نعمةً حين نملكه، وابتلاءً حين يملكنا؛ وقد يكون طريقًا إلى الخير، ثم يتحوّل إلى حجاب عنه حين نستغرق في طلبه وننسى الغاية التي أردناه من أجلها.

العمر الذي ننفقه

ليست لكلّ خسارة علامةٌ ظاهرة. فبعض الخسارات لا تقع حين نفقد شيئًا، بل حين نمضي في طلبه حتى لا يبقى فينا متّسع لشيء آخر.

قد يؤجّل الإنسان وقته لأهله حتى يفرغ من مشاغله، ثم تتكاثر المشاغل ويكبر الأبناء، ويمضي العمر الذي كان يظنّه قابلًا للتأجيل. وقد يؤخّر إصلاح نفسه أو عملًا صالحًا، لأنّ أمامه هدفًا آخر يبدو أكثر إلحاحًا؛ كأنّ الحياة ستمنحه فرصة إضافية كلّما انتهى من غاية.

لكنّ الحياة لا تتوقّف في انتظارنا. وما نظنّه تأجيلًا مؤقّتًا قد يكون استهلاكًا للوقت الوحيد الذي كان يمكن أن نمنح فيه تلك الأشياء حقّها.

إنّ العمر ليس رصيدًا نُنفق منه ثم نستعيد ما أنفقناه؛ إنّه الطريق نفسه، وكلّ اختيار فيه يأخذنا إلى جهة. وما نمنحه ساعاتنا لا يستهلك وقتنا فحسب، بل يشارك في تشكيل الإنسان الذي نصير إليه. فالأشياء التي نكرّر السعي إليها تصنع عاداتنا، وتحدّد ما ننتبه إليه وما نغفل عنه، وما نعدّه جديرًا بأن نعيش من أجله.

لهذا قد لا تكون الخسارة الكبرى أن يفوتنا شيء نحبّه، بل أن يستغرقنا السعي إليه حتى يفوتنا ما لا يعود. فبعض الفرص يمكن تعويضها، وبعض الممتلكات يمكن استردادها، أمّا لحظة مضت، أو قلب أُهمل طويلًا، أو واجب ظللنا نؤجّله حتى انقضى أوانه، فلا تعيده إلينا قدرتنا المتأخّرة على إدراك قيمته.

وليس معنى ذلك أن نعيش أسرى الخوف من فوات العمر، أو أن نتخلّى عن الطموح خشية أن يسرق منّا أيامنا. إنّما أن نميّز بين سعيٍ يمنح حياتنا معنى، وسعيٍ يستهلكها حتى ننسى لماذا بدأناه.

فليست العبرة بكثرة ما نبلغ، بل بما يصنعه بلوغنا فينا، وبما إذا كنّا، ونحن نتقدّم نحو أهدافنا، نتقدّم أيضًا نحو الإنسان الذي نريد أن نكونه.

ما هو خير من ذلك؟

بعد أن تعرض الآية محبوبات الدنيا، تختم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ . ثم تأتي الآية التالية لتفتح أمامنا أفقًا أبعد، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ، [آل عمران: 15].

إنّ عبارة ﴿بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ تنقلنا من تعداد محبوبات الإنسان إلى السؤال عن مراتب الخير نفسه. فليس كلّ محبوب في مرتبة واحدة، وليس كلّ ما يسرّنا الآن أقدر على إسعادنا في النهاية. ثمّة فرق بين متاع ينتهي بانتهاء زمنه، ونعيم لا يزول؛ وبين لذّة نبلغها ثم نبحث عن غيرها، ورضوان من الله يتجاوز تقلّب ما في أيدينا.

واللافت أنّ الآية لا تذكر الجنّات والأنهار والأزواج المطهّرة فحسب، بل تذكر ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ . فكأنّ الخير لا يُختصر في ما يُمنح للإنسان، مهما عظم، بل يبلغ معنى أعمق في رضوان الله والقرب منه.

وهنا تتغيّر زاوية النظر إلى الدنيا. فلا يعود السؤال: كم أملك؟ بل: إلى أين يقودني ما أملك؟ وهل أجعل ما بين يديّ وسيلةً للخير، أم أستهلك طاقتي في توسيعه حتى يضيق في داخلي موضع الغاية؟

إنّ الإيمان بالآخرة لا يجعل الحياة الدنيا بلا قيمة، بل يمنحها ميزانًا. فالعمل والمال والأسرة والنجاح تستطيع أن تكون جزءًا من طريق أوسع حين تُعاش في ضوء المسؤولية والتقوى، لا حين تتحوّل إلى غايات تستأثر بالقلب وتُنسيه ما وراءها.

ولعلّ هذا هو الفارق بين أن يعيش الإنسان للدنيا، وأن يعيش في الدنيا: ففي الأولى تنحصر رؤيته فيما يستطيع بلوغه منها، وفي الثانية يدرك أنّ ما بين يديه أمانة، وأنّ قيمة ما يبلغه لا تنفصل عن الطريق الذي سلكه إليه، ولا عن الأثر الذي يتركه، ولا عن المصير الذي يمضي نحوه.

السؤال الذي يبقى

ليس المطلوب أن نتوقّف عن الحبّ، أو أن نخاصم النعم التي أودعها الله في حياتنا، بل أن نعرف موضعها من قلوبنا؛ أن نحبّ دون أن نستعبد أنفسنا لما نحبّ، وأن نسعى دون أن نسمح للسعي بأن يبتلع الغاية، وأن نفرح بما نبلغ دون أن ننسى ما لا ينبغي أن يفوتنا.

فربّما لا يُقاس اتّزان الإنسان بما يملكه، بل بقدرته على ألّا يجعل ما يملكه يحدّد له كلّ شيء. ولا يُقاس نجاحه بما وصل إليه وحده، بل بما ظلّ قادرًا على رؤيته وهو يصل: من حقّ ورحمة وواجب وغاية أبعد من حدود اللحظة.

وحين نقرأ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ، لا يكون السؤال عمّا إذا كانت الدنيا جميلة أو جديرة بالسعي، بل عمّا إذا كنّا نعرف قدرها، ونعرف قدر ما هو أبقى منها.

فقد يبلغ الإنسان نهاية الطريق محمّلًا بما جمع، لكنّ ما جمعه لا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا فعل به هذا الطريق؟ أيّ إنسان صار؟ وما الذي بقي في قلبه حين انتهت الأشياء التي أفنى عمره في طلبها؟

لعلّ الحكمة ليست أن نصل إلى كلّ ما نحبّ، بل أن نعرف ما يستحقّ أن نحبّه، وألّا نمنح الفاني من أعمارنا ما يحجب عنّا الباقي. فليست المأساة أن يفوتنا بعض ما تمنّيناه، بل أن نصل إلى نهاية العمر فنكتشف أنّنا بلغنا ما أردنا، لكنّنا ابتعدنا عمّا كان ينبغي أن نريد.