ما سقط من ذاكرة السيرة.. محمد العلي


كان مساء استثنائيا ذلك الذي أطلّ علينا بقامته الفارعة سبقتها بسنوات سيرةٌ بنكهةِ الضوء، فالمناسبةُ أمسيةٌ شعريةٌ كان قد أعدها لي جماعة «منتدى الغدير الأدبي» قبل ما يربوا على الثلاثين عامًا، فجأةً وبينما كنتُ منهمكًا بإلقاء قصائدي وقد انصرمت دقائق فقط من مسيرة الأمسية إذْ بي أرى الجمهور بكامله يفز واقفا عن بكرة أبيه لأتفاجأ بدخوله برفقة صديقه الأثير الأديب نزار المصطفى، إنه محمد العلي اسم يدير أعناق المجالس أنّى حلّ وارتحل. لكن المفاجأة الأكبر عندما تقدم للمنصة بعد انتهاء الأمسية للتعقيب على ما دار في أقداح القصائد نزولا عند طلب الأستاذ نزار.
انتهت الأمسيةُ، وانفض السامر، وغادر الجميع المكان وأنا منهم، لكن ظلاله الوارفةَ لم تغادر جدران الذاكرة تلك الظلال التي استحالت واقعًا عبر لقاءات جمعتني إيّاه في مجالس عديدة كانت تلتأم بأسماءٍ كبيرةٍ من أدباء وشعراء ومفكرين، كالأديب الشيخ حسن الصفار، والأديب السيد حسن العوامي، والأديب السيد علي العوامي، والأديب الشاعر السيد عدنان العوامي، والشاعر «أبو قطيف» عبد الله الجشي، والدكتور توفيق السيف، وآخرون وآخرون ممن خانتهم الذاكرة.
أما أولى تلك المجالس فكان مجلس الأديب الأستاذ نزار المصطفى، وقتها امتلأت جميع المقاعد عدا مقعدًا واحدًا ظلّ شاغرًا عرفنا لا حقا أنه مخصص للأستاذ محد العلي، والذي لم يعد مزاج المكان ونكهة الحديث كسابق عهده عندما أطل آخذا مكانه لتكرّ السبحةُ فالقطيف غنية بأمثال هذه المجالس التي تضرب بعيدًا في عمق التاريخ الثقافي والفكري. قبل أن يصبحَ مجلسه هو عشُّنا الذي نفيء له بين فينة وأخرى كلما احتاجت رئة السؤال لأكسجين نقي، حيث كان آخر هذه اللقاءات بالنسبةِ لي استذكارًا مع الصديق الشاعر جاسم الصحيح الذي كان ضمن الحضور عن أوّل لقاءاتنا بالأستاذ في بيته
هذا قبل ثلاثين عاما، عندما كنّا جميعنا في بداية مشوارنا الشعري نتلمّسُ خطواتنا نحو مدائنه الشاسعة، ومما تذاكرتُ عنه أيضا مع الصديق جاسم شجرة الليمون ونحن نغادر المكان والتي تكاد تلتهم الباحة الخارجية لوفرة أغصانها والتي شهدنا نموَّها وانتشارها أكثر وأكثر مع كل زيارة لبيت الأستاذ، فقد أصبحت جافةً وأغصانها يابسةً ليست كسابق عهدها، كان لي ذلك بمثابة الإشارات غير المريحة، فهل كانت تهجس بشيء غاب عنا جميعنا. رحم الله أستاذنا الكبير وحفظ سيرته في قلوب محبيه ومريديه.



