الرجل اللعوب «كازانوفا» وإرشاد الضحايا


هل صحيح أن هناك رجالًا لعوبين لم يعرفوا من دين الله إلا جملة من آية قرآنية ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، وأما بقية منظومة الدين وإرشادات القرآن الكريم، فإنهم يتخذونها مطايا لبلوغ مرامهم من إشباع غرائزهم وتضليل ضحاياهم وسرقة ونهب ودجل وكذب ونفاق ورياء؟! حتى اختلط الحابل بالنابل بين الصادق والمدعي الكاذب تحت مسميات مزخرفة مثل رجل متقدم للزواج أو معدد للزوجات.
وهل صحيح أن هناك نساء مرهقات لأزواجهن، ولم يعرفن من دين الله إلا قوله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]؟
تشخيص الداء
أغلب الرجال في المجتمعات المهذبة، بحمد الله، همتهم عالية في صناعة أمجاد لأنفسهم ولعوائلهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، وينشغلون بإقامة شركات أو تشييد صناعات أو إحراز أمان مالي رصين أو إقامة علاقات دولية عابرة للقارات أو تأليف كتب علمية نافعة أو إنشاء أسرة مليئة بالدفء والحنان والتربية النظيفة. والعجب أن هناك حفنة من الرجال في تلك المجتمعات يقضون جل أوقاتهم في مشاهدة مفاتن أجساد النساء وإنشاء الشعر فيهن وتصفح الإنترنت ومتابعة صور أرداف الغانيات ومقاطع أفلام الممثلات الإباحيات وفضائح أهل الرذيلة!! وتراهم يضحكون ببلاهة وهم يصفون الآخرين من الرجال والنساء بالأوصاف المقززة وكأنها إنجاز أو مفخرة.. هل يعرف أولئك أن ذلك دليل على عدم تمكنهم من أنفسهم ومن السيطرة على نوازع أهوائهم وانعدام تقديرهم لذواتهم؟!
هناك استغلال مفرط من بعض الرجال لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، حتى أصبح بعض أولئك الأزواج المعددين دون مبرر منطقي واللعوبين باسم الزواج عبئًا على سمعة مجتمعات عدة، لا سيما على المجتمعات المتدينة والمحافظة، لما ألحقه أولئك بمجتمعاتهم وأوطانهم من وصمات تشويه طافت العالم كله. حتى أصبحت هوليوود وبوليوود تستخدمان تلك الأمور مادةً لإنتاج أفلام كوميدية ساخرة على المجتمعات المحافظة.
شُرع الترخيص بتعدد الزوجات لكبح جماح الانفلات وصيانة العلاقات وتكوين أسر يسودها الحب والوئام، وضمان نظافة المجتمع من الرذائل، وكحل أخير لبعض المعضلات الأسرية دون تفريط بالحب أو الزواج الأول وفي أضيق الحدود. إلا أن البعض، ومع شديد الأسف، وبسبب سوء استغلالهم للآية الكريمة، هدموا بيوتًا، وجنّدوا، من دون علم منهم، عددًا كبيرًا من النساء للالتحاق بالحركات المتربصة بالدين والمجتمع والرجال تحت عدة عناوين ناعمة. والاستغلال الوحشي والسيئ للمرأة من قبل الرجل الشرقي أضحى مادة إعلامية متواترة في الصحافة العالمية والمنابر الاجتماعية المختلفة حول العالم. وللحق، أضحى موضوع تعدد الزوجات دون مسوغ مادة منفرة لدخول الكثير من نساء المجتمعات الأخرى في الإسلام، بسبب الانطباع الذي تولد لديهن بأن الرجل الشرقي لا يبالي بمشاعر المرأة، ويتنقل بين أحضان النساء.
بعد أن ينجح المجتمع في تشخيص الداء في أي شخص داخل جسد المجتمع، عليه أن يبادر بإعلان ابتلاء ذلك الفرد بالعلة التي قد تهدم المجتمع، وهي التعدد من دون مبرر منطقي، وينصحه باستمرار بضرورة تهذيب رغباته.
ما الحل؟
قالت إحدى النساء ناصحةً زميلاتها من النساء الصالحات المتعففات، وأنقل المقطع التالي للمشاركة في الحوار النافع، وليس تبنيًا مني للأفكار الواردة:
كيف تتصرف المرأة الراشدة إذا ابتُليت بزوج لعوب أو معدد للزوجات دون مبرر منطقي؟
أكبر عقاب للرجل الذي قرر أن يعدد دون مبرر منطقي «مرض زوجته / إفراط طاقته / عدم الإنجاب … إلخ»، ليس أن تحرق زوجته الأولى دمها بالصراخ والبكاء والانعزال والانكسار، بل عليها أن تضبط مشاعرها وتُشعره بأنه صار «خيارًا ثانيًا» في حياتها بعد هواياتها ورعاية أبنائها، كما جعلها خياره الثاني أو الثالث أو الرابع في حياته، بعد ما كان هو المحور في حياتها.
الصدمة الحقيقية للرجل اللعوب أو المعدد دون مبرر منطقي هي اكتشافه أن وجوده وغيابه صارا سيان عند زوجته الوفية المتأنقة الودود الولود!
من المعلوم أن أكبر لذة للرجل اللعوب بالتعدد تارة وبالأعمال الصبيانية تارة أخرى «كازانوفا»، هي أن يرى النساء من حوله يتقاتلن عليه لإطفاء لهيب رغباته وشهواته كما لو كان من أيام العصور الوسطى. عندما تُخرج الزوجة الجميلة الوفية نفسها من «حلبة المصارعة»، فإنها بذلك تكسر غرور كازانوفا وتلغي أهميته من حياتها. ولعل التطبيق الصارم لهذا الموقف يكون بأن تجعل الزوجة تواصلها بشكل «بروتوكولي» مع زوجها المعدد المتساهل في مشاعرها. وعليها أن تعزز قناعتها بأنها نضجت وأدركت أن طاقتها أغلى من إهدارها في مراقبة شخص لا يعتني بمشاعرها وأبنائها. وأن تجعل حياتها مليئة بالأنشطة والفعاليات والتدريب المهني والهوايات النافعة بدلًا من اجترار الألم والبكاء على اللبن المسكوب. وعند الحديث مع الزوج المناكف يمكن للزوجة الراشدة أن تقول ذلك أمام زوجها اللعوب أو المناكف أو المعدد، فإن مثل تلك الجمل تجعله يعرف حجمه الحقيقي، وقد يشك في اضمحلال قدراته في المراوغة أو الاستفزاز أو المناكفة.
قبل تفعيل تشريعات الخلع وبروز موجة خلع بعض النساء لأزواجهن، كان بعض الرجال يعددون لأنهم يعتقدون أن زوجاتهم، لا سيما الأولى، «مضمونة» في جيوبهم، وليس لهن مفر لعدم وجود مصدر مالي مستقل لهن أو وظيفة تحميهن من تقلب الدهر. والآن أضحى انتقام بعضهن أن تبني كل واحدة منهن «عالمها الخاص» بحيث إن الرجل المعدد ليس له مفتاح فيه. فضلًا عن أن عددًا من النساء اتخذن إجراءات احترازية لضمان حقوقهن من الزوج اللعوب أو المستهتر أو المناكف.
للزوجات مقترحات: ابدئي مشروعك التجاري، التحقي بدورات تدريبية تؤهلك لبناء مشروعك، احضري مجالس تربوية وأخلاقية وعلمية، التحقي بأعمال التطوع، وانخرطي في أعمال التوعية الصحية وبرامج شهر رمضان العبادية.. إلخ. تلك الأنشطة قد تفتح عينيك على فوائد جمّة لراحتك النفسية. كذلك الاستماع إلى برامج بودكاست متخصصة والانخراط في كل تلك الأنشطة نافع للزوجة، واجعلي ذلك الرجل المناكف، حين يدخل البيت، يلقاكِ مشغولة بأمر آخر غيره.
هنا يحس، إذا كان لا يزال لديه إحساس، بأنه أضحى ينتظر دوره في طابور حياتك، ولست أنتِ من ينتظر دوره في طابور حياته!
«الأنوثة الصادقة»
لا تنقطعي عن الجمال والتأنق والتعطر والعناية بالنفس بسبب زواج زوجك، بالعكس! كوني بأجمل حالاتك، لكن اجعلي ذلك الجمال لكِ، وليس لمن فرّط بكِ. فمن حقك الاعتناء بنفسك، فالبسي وتأنقي وتعطري بأفخم عطوركِ مع الاحتفاظ بالحشمة، وإذا صادف وجوده عندك بالبيت ومدحك، فيمكنك التعليق بلطف: «والله، اليوم عندي لقاء ببعض صديقاتي، وقلت: لازم أطل بما يليق بنفسي».
وهذه رسالة مغزاها أنكِ واثقة بنفسك، وقوية الشخصية، ومعتزة بذاتك، وما زلتِ تهتمين بذاتك، وأنكِ لم تتأنقي لأجله، وإنما «لأجل نفسك». حتمًا، مثل هذه الثقة سيصهر القهر بسببها قلبه إذا كان لا يزال ذا قلب، لأنه شعر بفقدان سلطته على ثقتك بنفسك.
لا ننسى أن اعتماد الزوجة الودود الولود الخلوقة النظيفة الكريمة، الحاشمة لنفسها، المطيعة لزوجها، والمنكوبة من زوجها المناكف، يلزمها التمسك أكثر بالله العلي القدير، لأن المدد البشري من الأسرة والأقارب يخفت حتمًا يومًا بعد يوم. وقد يكون إرشادهم مخطئًا أو مصيبًا، ولكن مدد الله هو الأدوم والأنقى. الرجل المناكف عندما يرى ضحيته «مستكفية بالله»، يزداد وجهها نورًا بسبب استرداد الثقة بالنفس، ونفسيتها مطمئنة بما عند الله رغم وجود «ضرة» أو أكثر؛ وقد يؤنّب الضمير ذلك الزوج المعدد إذا كان عنده بقية ضمير، أو قد ينهار كمدًا بسبب صلابة موقف الزوجة الراشدة!
القاعدة: بعض الأزواج المناكفين واللعوبين والمعددين من دون مبرر يريدون أن يروا زوجاتهم منكسرات من أجل إرضاء غرورهم وإرواء كبريائهم وإطفاء عقد النقص لديهم. استلهام الزوجة الصالحة القوة من الله جل جلاله، وصمودها، وابتسامتها للحياة، والاعتناء بنفسها واحتواء أولادها والمضي إلى الأمام لصنع مستقبل أفضل، حتى مع عدم وجود الزوج معها، سيعرف أولئك الأزواج يومًا ما أنهم «خسروا» السيطرة على مشاعر زوجاتهم إلى الأبد، وتكوّنت نظرة مجتمعية إليهم بأنهم أنانيون أو لا يصونون العشرة الطيبة.. وهذا العمل مؤشر على نجاح إدارة استنزاف العواطف. انتهى النقل بتصرف.
حتمًا، هناك حلول وإرشادات متعددة لدى بعض القراء والكتاب ويمكنهم طرحها. وحتمًا، هناك جملة من الحلول الأخرى لن نسردها هنا، ولكن قد نوفق إلى إدراجها في مقال آخر يومًا ما. وحتى لا يطول بنا المقام، فإن المجتمع مطالب بالمساهمة في إيجاد حلول لأزمات أفراده وصياغتها والمشاركة في تنفيذها، وليس البكاء والنحيب من جهة على ضحاياه أو الاكتفاء بتناقل أخبار التمزق الدائر داخله.



