صاحب الوجهين.. هل نتعامل معه بقلبين؟


وضح لنا الدين الإسلامي الصفات التي ينبغي التحلي بها في التعامل مع الآخرين، ولم يترك لنا مجالًا للّبس أو الشك. لذا، هناك سؤال كثيرًا ما يتردد في أذهاننا: هل نحمل وجهين في طريقة تعاملنا مع الآخرين في شتى أوجه حياتنا؟ أي أن كل وجه يحمل صفة معينة في التعامل؟ أم أننا، بصراحة، نجامل على حساب أنفسنا؟
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204].
فقد حذّر الشرع المقدس من هذه الطباع، كالتلون وحمل الوجهين، حتى عُدّت من صفات المنافقين، ونبّه المسلمين إلى تجنبها، سواء أكان المرء رجل دين أم مسؤولًا أم عاملًا، كبيرًا أم صغيرًا. وحريّ بالمسلمين ألا تكون هذه الصفة فيما بينهم.
وفي آية أخرى، يقول تعالى: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: 143].
فلو سألنا بعض الناس: هل هذه الصفة جيدة أم رديئة؟ منبوذة أم محببة؟ وهل لها تأثير واضح على سلوكنا وتعاملنا مع الآخرين؟
لأجابت الغالبية بأنها من أسوأ الصفات، وأن لها تأثيرًا واضحًا في العلاقات الإنسانية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كنا ندرك سوء هذه الصفة، فلماذا يتعامل بها بعضنا؟
وفي حديث النبي ﷺ: «شر الناس ذا الوجهين». «الخصال، 13/38».
فلو تأملنا جيدًا في هذه الكلمة، لابتعدنا عن هذه الصفة السيئة، فهي لا تحتاج إلى تعريف أوضح من ذلك. ولذا ينبغي علينا جميعًا الابتعاد عنها، وعن كل الصفات السيئة، حتى لا نقع في المشكلات أو نخسر الناس من حولنا.
والإمام علي

يقول: «ذا الوجهين لا يكون وجيهًا عند الله». «عيون الحكم، ص 98».
فعندما نحمل هذه الصفة الرديئة، فلا شك أننا نضع أنفسنا في موضع سخط الله قبل كل شيء، وسوف نخسر، وسيبتعد عنا الكثيرون، ولن يبقى لنا أخ أو صديق، بل إن البعض سيعدّنا من المنافقين، الذين لا قيمة لهم عند رب العالمين.
والإمام الباقر يقول: «بئس العبد ذا وجهين». «بحار الأنوار، 75/203/2».
فقد عانت مجتمعاتنا مرارًا من هذه الصفات الذميمة، كالكذب والغيبة والتحايل والحسد والكراهية والنفاق، حتى تسببت في تدمير علاقات وانتهاء صداقات. ولم تقتصر آثارها على العلاقات الاجتماعية العامة، بل امتدت إلى أفراد الأسرة، والأصدقاء، والإخوة، والأرحام، وحتى الزوجين.
ومن السلوكيات المرتبطة بالتلون الاجتماعي أن يتحدث الإنسان بطريقة، ويفكر بطريقة أخرى، أو يتقمص شخصيات مختلفة بحسب الأشخاص الذين يتعامل معهم، فيُظهر الودّ أمامهم، ثم يتصرف على خلاف ذلك في غيابهم، وقد يصل الأمر إلى استغلال الآخرين وتتبع عثراتهم.
وفي موضوع طرحته مجلة «سيدتي» بعنوان «كيف تكتشف صاحب الوجهين؟»، وردت مجموعة من السلوكيات التي قد تكشف هذه الصفة، ومنها:
• الثناء المبالغ فيه: يمدحك بشكل غير طبيعي في وجهك.
• نقل الأحاديث: يتحدث عن الآخرين بسوء أمامك، وهو بالتأكيد يتحدث عنك بسوء أمامهم.
• تغيّر المواقف: تتغير معاملته معك بحسب مصلحته.
وهنا ينبغي التمييز بين المجاملة الاجتماعية المقبولة والتلون المذموم؛ فالمجاملة التي تراعي مشاعر الآخرين تختلف عن إظهار المحبة والاحترام أمامهم، ثم الإساءة إليهم في غيابهم.
ولذلك، نحن بحاجة، كمجتمع، إلى الوقوف بكل حزم وجدية تجاه هذه الظاهرة الخطيرة، والعمل على مواجهتها وإيجاد الحلول المناسبة لها.
فلم يعد للمرء قيمة أو كرامة في المجتمع، فبمجرد أن يقوم من مجلسه، إلا ويُغتاب ويُساء إليه!
وأما أهم الحلول لهذه المشكلة، فتتمثل في:
• العودة إلى تعاليم الدين والقرآن الكريم.
• التوعية المستمرة على المنابر العلمية.
• التحذير من خطرها في وسائل الإعلام.
• معالجة المسألة فرديًا وأسريًا، ثم اجتماعيًا.
• الاهتمام بالنشء، وتعليم الصغار أجمل الصفات والأخلاق.
وتقع علينا جميعًا مسؤولية كبيرة في التصدي لهذه السلوكيات، انطلاقًا من مبدأ «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول»، وذلك بالتحذير من سوء عاقبتها، والتنبيه إلى آثارها، والتوجيه نحو التعامل الصادق مع الآخرين.
فهل نحتاج حقًا إلى قلبين لنتعامل مع صاحب الوجهين، أم أن الصدق والثبات على المبادئ كفيلان بحماية علاقاتنا من هذه الصفة الذميمة؟
والسلام خير ختام.



