السبت 7 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لا تستقل القليل

عبد العزيز حسن آل زايدالسبت 7 نوفمبر 2026، 7:32 م
لا تستقل القليل

إننا نمر على آيات القرآن مرور الكرام؛ نقرؤها باللسان ولا يعيها الجنان، أو نتغنى بها ونتقن القلقلة والمدود، وننشغل بكيفية القراءة، ونغفل عما يراد لنا أن نتعلمه. نسمع الآية مرات ومرات، ثم نمضي في حياتنا وكأنها لم تقل لنا شيئًا. الله يقول كلمة ”ويل“ للمصلين حين يسهون عن الصلاة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]؛ فلماذا نمطها في الحروف، ولا نقرع بها مسامع القلوب؟ حين يرتفع صوت الأذان، لماذا لا نبادر؟ ولماذا لا تغرينا الصلاة براحتها؟ أليس لنا في الحبيب قدوة حين يقول لبلال: ”أرحنا بها يا بلال“؟

الغفلة عن الصلاة

هل نستحضر كلمة ”ويل“ ونحن نقرؤها؟ هل نستحضرها حين نسهو عن الصلاة؟ فكيف بمن يتعمد؟ أليس منا من استخف بصلاته؟ لماذا يصبح تأخيرها عندنا أمرًا عاديًّا؟ لماذا لا نبادر للصلاة؟ قرأت أن أحد الشبان أقسم أن يلقي بنفسه من قطار إذا لم يتوقف السائق للصلاة، وبالفعل أوقفه حين رأى منه الجد، وقصته أنه عاهد الله ألا يضيع وقت فضيلة، فبر بعهده، على الرغم من أنه كان شابًّا عاديًّا لا يعنيه أمر الالتزام، فقط لأنه عاهد الله؛ فلماذا لا نعاهده؟

قد نستغرب من هذا الموقف، لكن الأغرب أن يمر وقت الصلاة على بعضنا فلا يتحرك له قلب، ولا يهزه وجدان. هل تأخير الصلاة أمر عادي؟ هل هذه الفريضة المقدسة أمر هامشي في حياة المؤمن؟ ألم يكتب الله لها وقتًا محددًا؛ فلماذا نستهين بالصلاة وهي عماد الدين؟ أليس من ضيعها كان لغيرها أضيع؟ ماذا بقي لنا إن قدمناها ورقة صفراء بالية؟

كلنا يعلم أن أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وكلنا يعلم ما ورد في شأن قبولها، فيا ترى هل نرفعها في أول وقتها بيضاء مشرقة، لتقول لنا: حفظتني حفظك الله؟ أم نقدمها في غير وقتها سوداء مظلمة، فتقول لنا: ضيعتني ضيعك الله؟ ألم تردنا وصية الأولياء والصالحين: ”الله الله في الصلاة“؟ ألم نقرأ في كتابه عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]؟ فلماذا لا نعطي الصلاة قيمتها ومكانتها، وهي صلة بين العبد وربه؟

مثقال ذرة

دخل أعرابي على النبي ﷺ فسمع منه سورة واحدة، وهي سورة الزلزلة، فلما بلغ النبي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]، اكتفى الأعرابي من النبي ﷺ بذلك، فقال عنه النبي ﷺ إنه خرج فقيهًا. لماذا؟ لأنه سمع الآية فوعاها، وتأملها فأدرك مداها، وأيقن أن الله لا يضيع معه شيء. فهل نعي ما وعاه هذا الأعرابي؟ أم نحن نسمع القرآن بالآذان لا بالقلوب؟ ما الذي نفهمه من هذه الآية؟ إن القرآن يريد أن يوقظنا من هذه الغفلة، وكأنه يقول لنا بلسان طلق: لا تستقل شيئًا؛ فالشيء الصغير الذي تستحقره قد يكون عظيمًا في كفة الميزان.

ومن خلال قراءتي لكتاب الله عز وجل أرعبتني آية في سورة القمر، هي: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: 53]. يا صاحبي، أرجوك تأمل، ما معنى ”مستطر“؟ كل أمر صغير أو كبير مسطور عند الله. هل تأملت المعنى؟ يا ويح قلبي، بل واخجلتاه حين نتسلم بأيدينا الكتب، ونرى فيها أمورًا هو محصيها ونحن ناسوها. هل نعلم أن في الآخرة ميزانًا؟ وأن أعمالنا توضع فيه، ونحن نقف بين يدي رحمته ونخشى عدله وعقابه؟ فلماذا لا نحسب ليوم الحساب حسابًا؟

دقة الميزان

والآن يا صاحبي لنعد إلى الصلاة، فهل سنسهو عنها؟ أم سنمتثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]؟ يا صاحبي، وإذا أردنا الوضوء، فهل نسرف في الماء؟ قد تكون الطاعة في أصلها عبادة، ثم يدخل عليها الإسراف؛ لأن القليل الذي نهدره ليس خارجًا عن دائرة المسؤولية. وقد نفتح الصنبور بلا حاجة، ونترك الماء يجري، ونظن أن ما يضيع قليل ولا يستحق الالتفات.

يا صاحبي، المشكلة ليست دائمًا في صغر الشيء وحجمه الضئيل، بل في استصغاره. إننا قد نتسامح في بعض الأمور لضآلتها، ونقول: إنها نظرة، أو كلمة، أو لمسة، أو موقف صغير، لكن الله يحصي أدق التفاصيل؛ يقول تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6]، ويقول: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: 29]. إن هذا المعنى لا يدعونا إلى الخوف بقدر ما يدعونا إلى الانتباه. فكما لا تضيع الصغائر من الحساب، فلماذا تضيع منا الصغائر في أعمال الخير؟

ضع وعاءً أمام صنبور يقطر، ماذا ترى بعد وقت؟ امتلأ الوعاء الكبير. فإذا كانت القطرات الصغيرة تملأ البرميل الكبير، فماذا عن الموبقات حين تجتمع؟ ورد في كتاب الله أن الناس يتعجبون يوم القيامة من دقة الإحصاء، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]. فلماذا نستهين بالصغائر؟

تراكم القطرات

يستهين بعض الناس بالأعمال القليلة، بمساعدة طفيفة، أو ابتسامة صغيرة، ونغفل أن هذه الجبال لم تكن إلا من تراكم الحصى، وما الأنهار إلا من تجمع القطرات، وما الطريق الطويل إلا بضع خطوات. وهكذا الذنوب؛ قد تبدو صغيرة في عين صاحبها، ثم تتكرر هذه الصغائر حتى تألفها النفس، فلا تعود تراها ذنوبًا، ولهذا ورد التحذير من محقرات الذنوب؛ فإن الصغيرة إذا اجتمعت إلى أختها صارت كثيرة.

فلماذا نغفل عن سلاح الاستغفار؟ هذا السلاح يصفي الخطايا ويبدد ما غفلنا عنه من موبقات؛ الاستغفار تنقية فورية للقلب، وتنظيف مهم قبل أن تتحول الحبات إلى أكوام رهيبة. فلماذا لا نكثر من الاستغفار؟ قل كلما أخطأت: أستغفر الله، وإذا نسيت قل: أستغفر الله، وإذا غفلت قل: أستغفر الله، وإذا أصبحت قل: أستغفر الله، وإذا عثرت قل: أستغفر الله. اجعل الاستغفار لك رفيقًا لا ينقطع عنك.

وهكذا يا صاحبي، داوم على فعل الخير؛ فلا تقل: ماذا تصنع صدقة قليلة؟ ماذا تفعل كلمة طيبة؟ ماذا تصنع مساعدة متواضعة؟ ربما كان ذلك القليل هو الشيء الذي ينقص ميزانك. ورب قليل عظيم الأثر، ورب عمل يسير لا يلتفت إليه صاحبه، يكون عند الله كثيرًا وأثقل مما ظن. فلا تستهن بالقليل؛ فقد لا تعرف أين يكون أثره، ولا في أي لحظة يتحول هذا القليل إلى شيء عظيم.

أثر القليل

الأمور الصغيرة مؤثرة، وقد يتفوق القليل على الكثير في بعض الأحيان، يقول تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249]. نحن قد لا ندرك الأمور على حقيقتها. فالبعوضة صغيرة، والفأر صغير، والذباب صغير، والنمل صغير، ومع ذلك فإن الصغر في الحجم لا يعني الصغر في الأثر؛ فقد نلتفت إلى ضآلة الحجم ويغيب عن بالنا أثره الكبير.

تأمل الصفر الذي لا قيمة له وحده، حين يوضع إلى يمين العدد، فيضاعف قيمته. وتأمل الطير في قصة أصحاب الفيل. فصغر الحجم لا يعني صغر الأثر، والقوة الساحقة لا ترتبط دائمًا بالكثرة أو الحجم. فرب رصاصة قتلت، ورب كلمة أحيت، فلماذا نستصغر الصغائر؟

قد تقول: ماذا في يدي؟ في يدك الكثير لتفعله. لا تقل: أنا فقير. فكم من فقير واسى فقيرًا مثله! وكم من ضعيف أعان غيره! يا صاحبي، اجعل قانون التأثير يعمل لصالحك وإن كان صغيرًا: ريال صدقة، كلمة ذكر، معونة متواضعة، ابتسامة، أو خطوة في طريق جليل. لا تقل: ماذا يصنع ريال؟ ماذا تغير كلمة؟ ماذا تفعل مساعدة صغيرة؟ أنت لا تدري؛ لعل تلك الحركة الصغيرة تنقذ إنسانًا أو تنقذ صاحبها، ربما رفعتك درجة، أو خلصتك من مكروه مقدر. وربما كانت الكلمة العابرة هي الكلمة التي احتاج إليها قلب إنسان.

حبة الخردل

لقد ضرب القرآن لنا المثل بأدق ما يمكن أن يتصوره الإنسان من الصغر، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: 47]، ويقول لقمان الحكيم لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: 16]. لماذا يحدثنا الباري عن حبة الخردل الضئيلة؟ لقد شاهدتها، وأدعوك لمشاهدتها لتدرك حجمها. وإليك البيان: ماذا لو تساوت الكفتان في الميزان، كفة الحسنات وكفة السيئات، واحتاج الرجحان إلى حبة من خردل؟ ألا يأتي بها الله القدير؟

فلا تستقل قليل الخير، ولا تستهن بقليل الشر؛ فالحبة التي لا تراها اليوم قد تكون هي الفارق غدًا. وما دام الله لا يضيع مثقال ذرة، فلا تضيع أنت حبات الخير التي تستطيع أن تضعها في ميزانك. اجعل لها أثر التراكم هناك؛ في كفة حسناتك، لا في كفة سيئاتك.