الأحد 8 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حان الوقت لتخزين الرمل

حسين مكي المحروسالأحد 8 نوفمبر 2026، 2:54 م
حان الوقت لتخزين الرمل

قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: 30]. تشير الآية الكريمة إلى أن الموارد الطبيعية التي نراها متاحة حولنا اليوم ليست مضمونة إلى الأبد. يا حبذا لو نتعلم كيف نحافظ عليها، ونستكشف استخدامات وتطبيقات جديدة في سبيل أن نحسن توظيف ما أودعه الله في الأرض من طاقات ومقدرات.

ومن هذه الموارد الطبيعية التي ربما لم نلتفت إليها بعد الرمل الذي نطؤه بأقدامنا!

عندما كنا صغارًا لعبنا بالرمل حتى الثمالة، ولم يكن يخطر بخلدنا يومها أن هذه الحبات الصغيرة تخفي وراءها إمكانات هندسية قد تتجاوز خيالنا الطفولي. أما اليوم، فيمكن أن نعيد توظيف الرمل بطريقة تضمن لأحفادنا طاقة متجددة، وذلك من خلال هذا التساؤل: هل نستطيع أن نخزن بين ثنايا الرمل حرارة الشمس نهارًا، لنستعيدها ليلًا على هيئة طاقة مجانية؟! للوهلة الأولى قد يبدو هذا مستغربًا عند من اعتاد أن يرى البطارية صندوقًا صغيرًا مليئًا بالمواد الكيميائية، لذا يصعب عليه أن يتخيل صومعة ضخمة من الرمل تؤدي وظيفة البطارية نفسها. هذا ليس ضربًا من الخيال العلمي؛ فقد قامت به فنلندا حين قررت أن تتحرر من قيود البطارية التقليدية.

في فنلندا، حيث الشتاء طويل والبرد قاس، طورت شركة Polar Night Energy ما يعرف ببطارية الرمل Sand Battery. فهي ليست بطارية بالمعنى الكيميائي الذي نعرفه، بل هي مستودع حراري ضخم يختزن الطاقة في جوفه على هيئة حرارة. تستخدم فائض الكهرباء من إنتاج الطاقة الشمسية نهارًا أو طاقة الرياح في تشغيل سخانات المقاومة الكهربائية، التي بدورها تسخن الهواء الذي يمر عبر أنابيب داخل خزان معزول حراريًا ومملوء بالرمل. ترتفع درجة حرارة الرمال إلى 600 م، بينما يحتفظ الخزان بهذه الحرارة لفترات طويلة بفضل العزل الحراري. يمر الهواء مجددًا عبر شبكة الأنابيب، فيستعيد الحرارة من الرمل وينقلها إلى تربينات التوليد أو إلى التدفئة.

بدأت التجربة التجارية الأولى في مدينة كانكانبا الفنلندية عام 2022، بخزان بسعة مئة طن من الرمل، فأنتج 8 ميغاواط ساعة. ثم تطورت الفكرة إلى مشروع أكبر في مدينة بورناينن بحلول 2025 بسعة تخزين تبلغ 100 ميغاواط ساعة، وبقدرة حرارية تصل إلى ميغاواط واحد.

دعنا نترك فنلندا الباردة جانبًا، ونطير إلى الخليج الذي يصارع الحرارة الشديدة صيفًا. معلوم أن هناك تقنية تسمى التبريد بالامتصاص الحراري «Absorption Cooling»، حيث تستخدم الحرارة نفسها لتشغيل دورة تبريد. فيها يمكن استخدام زوج من المواد مثل الماء وبروميد الليثيوم، فبينما تساعد الحرارة على فصل وسيط التبريد وإعادة تهيئة الدورة، يحصل التبريد داخل المبخر ويتبخر الماء تحت ضغط منخفض فيمتص الحرارة من الوسط المحيط به. والنتيجة ماء بارد يمكن تدويره في أنظمة التكييف المركزي.

لنضع النقاط على الحروف، تخيل أن لدينا ألواحًا شمسية تعمل نهارًا فوق أرض واسعة في المدينة، وأن جزءًا من الكهرباء المنتجة لا يذهب مباشرة إلى شبكة شركة الكهرباء، وإنما يستعمل لشحن بطارية رملية. وعندما تغيب الشمس، أو ترتفع الحاجة إلى التبريد في المساء، نستعيد الحرارة المختزنة ونصرفها في تدوير وحدة التبريد بالامتصاص. وهكذا نكون قد خزنا حرارة الشمس نهارًا وأنتجنا بها البرودة ليلًا! نعم إنها لمفارقة هندسية لطيفة، وتحتاج إلى تصميم اقتصادي وحراري مستفيض، خصوصًا أن درجات الحرارة الخارجية المرتفعة في منطقتنا تجعل من التخلص من الحرارة في وحدات التبريد تحديًا إضافيًا. لكن هناك بابًا آخر تفتحه هذه البطارية الرملية، ماذا لو أردنا استعادة الكهرباء نفسها التي اختزناها بطريقة متجددة؟ هنا نحتاج إلى خطوة إضافية، نسحب الحرارة من الرمل، وننقلها عبر مبادل حراري إلى الماء، فنرفع درجة حرارة الماء وضغطه حتى يتحول إلى بخار ملائم لتشغيل توربين التوليد الكهربائي. بعدها يمر البخار عبر مكثف ليعود ماء في دورته المتجددة «دورة رانكن» المعروفة.

يلزمنا دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، مع أن إنتاج الحرارة من الكهرباء عملية عالية الكفاءة نسبيًا، إلا أن إعادة تحويل الحرارة إلى كهرباء يعد أقل جدوى؛ إذ تضيع أجزاء من الطاقة بين التحويلات والتوربين والتكثيف وفقدان الحرارة. لذا فإن استغلال الرمل لتخزين الحرارة وتقديمها مباشرة للمصانع أو للتبريد قد يكون أكثر جدوى من تحويلها مرة أخرى إلى كهرباء. وتحويل الحرارة المخزونة إلى كهرباء ما زال مجالًا تعمل الشركة الفنلندية الآنفة الذكر على تطويره، وليس هو الاستغلال التجاري الأساسي لبطاريتها حتى الآن.

الجميل في الأمر أننا اعتدنا أن نبحث عن الليثيوم والمعادن النادرة عند تقليب خيارات اختزان الطاقة. بينما ما طُرح على طاولة البحث من تجربة ناجحة ذات أبعاد واعدة ورخيصة وآمنة في آن واحد، هو أن كتلة كبيرة من الرمل المدكوك داخل مستودع مصمم بعناية، يمكن أن تؤدي دورًا محوريًا في منظومة إنتاج الطاقة الصديقة. ببساطة، سنحصل على الكهرباء من الرمل، وسوف نتعلم لاحقًا كيف نخزن الطاقة في الهيئة التي نحتاج إليها؛ سواء على هيئة حرارة لتغذية مصانع الصهر، أو على شكل برودة للمباني السكنية، أو حتى على شكل كهرباء مختزنة للاستخدام متى ما اقتضت الحاجة.

من هذا المنبر المبارك، أجدني ملزمًا بأن أثير نزرًا من الأسئلة التي قد تبدو لدى البعض أقرب إلى الخيال الهندسي، لكنها بالطبع تستحق التمعن بجدية. ما الذي يمنع أن يحصل كل حي سكني على بطارية رملية خاصة به، تختزن فائض الطاقة الشمسية نهارًا، وما تلبث أن تعيد الكهرباء إلى شبكة توزيع الحي نفسه عبر منظومة تحويل وربط مناسبة، فتتشكل لدينا شبكة طاقة محلية مساندة للشبكة الرئيسية؟ هل يمكن اقتصاديًا استغلال الأراضي البيضاء داخل الأحياء لبناء مثل هذه البطاريات الرملية، بحيث لا تتحول الأرض إلى مجرد منشأة صناعية مغلقة؟ تخيلوا معي للحظة أن هناك مواقف سيارات مظللة بسقف من الخلايا الشمسية، وفي وسطها حديقة ومتنزه وبحيرة تتغذى من المياه الجوفية تحيط بها دوحة ألعاب لأطفال المجمع السكني. النتيجة هي منشأة تخزن الطاقة، وتخدم الحي كهربائيًا واجتماعيًا، مع كونها صديقة للبيئة من خلال المساعدة في خفض درجة الحرارة وتقليل الانبعاث الكربوني، بالإضافة إلى التوفير الاقتصادي على المستهلك.

وفي بعد آخر، ماذا لو أنشأنا بعضًا من هذه البطاريات على الساحل؟ هل يمكن الاستفادة من مياه البحر في تبريد دوائر التكثيف والتخلص من الحرارة في أنظمة التبريد والتوليد، بما يجعل الموقع الساحلي جزءًا من منظومة متكاملة لتخزين الطاقة وإنتاج الكهرباء والتبريد؟ بالطبع، يتطلب ذلك دراسة التآكل والترسبات البحرية وكفاءة المبادلات الحرارية والمحميات، وهي صعوبات يعرفها جيدًا كل من عمل في هندسة المنشآت الساحلية.

قد لا تكون كل هذه التصورات مجدية اقتصاديًا أو ممكنة هندسيًا بصورتها الأولية، وقد تقتضي وجود دراسات مطولة في العزل والسلامة والضوضاء والمساحات وكلفة الربط بالشبكة. ولكن أليست هذه هي وظيفتنا نحن من ندعي الخيال الهندسي؟ نطرح عليكم الأفكار قبل أن تتحول إلى مشاريع؟ فمن يدري، ربما يأتي يوم لا تكون فيه بطارية الحي الرملية مجرد صندوق على الرصيف، وإنما صرحًا حراريًا نابضًا في قلب المجتمع السكاني، تحيط به الأشجار ويلعب من حوله الأطفال في دوحة خلابة، بينما تختزن حبيبات الرمل في أعماقها شيئًا من شمس النهار ثم ما تلبث أن تمدنا بالطاقة الصديقة ليلًا.

الخبر في مصادر أخرىمصدران نشرته