آخر القطانين في سيهات: مهنة النّدَافَة رحلت مع صوري ودكاني الذي التهمته النيران

كانت تظن النيران التي شبت في دكان النَدَّاف «أبو سَعِيد» أنها ستمحي حكايا ساحات بيوتات القطيف القديمة وأروقتها الضيقة من ذاكرته، وتحولها لرمادٍ كما فعلت بـ«ألبوم عكوساته»؛ لكنّ ألسنتها الحارقة لم تعلم أن بفعلتها هذه حولته إلى رجلٍ يحملُ أثقال تأريخ مختزل في عقله، وخفية تُكشف لأول مرة.
«أبو سعيد» الذي قادتنا الصدفة إليه، في شوارع حي الفردوس بسيهات، يتداخل معنا بمداخلة قصيرة، ونحن نحاول إقناع صاحب «البليلة أبو عمر» أن ينضم إلينا في حوارٍ صحفي لاحق، ويقول بلهجته العفوية بين السيهاتية والأحسائية «أنا قطان ليش ما تحاوروني»..!
«أبو سعيد» يُعرف لـ«القطيف اليوم» بنفسه أنه ابن 67 عاماً، واسمه محمد بن أحمد صبيحة والمعروف بـ«القطان» نسبة لمهنة والده الذي كان يأتي بالقطن من الأحساء إلى سيهات ليعمل عليه.
ويقول أيضًا: «إنّ النَدَّاف مَن يَندِف القُطْن؛ أي نافشة أو منفشة- باللهجة الدارجة، وفي القديم كان يأتي صاحب هذه المهنة -الندافة- إلى بيت من يطلبه أو يحتاج لخدماته ويقوم بمهمة عمله في ساحة البيت أو رواقه، لافتًا إلى أن هذه المهنة هي من المهن الهندية القديمة، التي دخلت المنطقة الشرقية شأن المهن الأخرى عن طريق الرحالة، وكان مقرها الرئيس في السابق بين القطيف والأحساء، وطالما احتاج لها كل بيت في إعادة الحياة لمفروشاتهم القطنية».
عدة النَدَّاف
ويضيف «صبيحة» أن عدة النَدَّاف تتكون من أبرة، وكشتبان لِدف الإبرة داخل «الدوشـق»، وعصا مرنة من شجرة الرمان، وقوس خشبي به وتر من سلك معدني مع مطرقة خشبية، يقوم بندف ونفش القطن عند تمرير القطن من خلال الوتر، لافتاً إلى أن النداف يقوم بعمل الفرش، والوسائد القطنية، وكذلك الأغطية وخياطتها.
أما عن الوقت المستغرق في إنهاء العمل فيوضح أن حجم الطلب عادة ما يحدد الوقت، مثلاً الفرش المزدوجة تأخذ نصف النهار تقريباً، أما المفردة فلها عدة أشكال ومنها الإفرنجية والعربية، والإفرنجية هي الشبيهة بالفرش الذي كانت تستورده شركة أرامكو من أمريكا، وكنّا نقلدها في الصنع.
الأسعار
ويبين أن الأسعار كانت تتراوح وتختلف باختلاف الرفض والقبول بين البائع والمشتري، مثلاً فرشة العرائس كانت مابين 300 ريال، و350 ريالًا، و«التكايات» بـ250 والدوشق بـ10 ريالات، ويسمى الدكان الذي كنَا نعمل فيه بـ(النداف)، والآلة المستخدمة تُسمى بـ«المندفة».
الندافة في سيهات
ويبين أن أول من مارس الندافة في سيهات هو جده لأمه الحاج صالح بن حسن الحافظ النازح من الأحساء ثم ما لبث أن لحق به ابن أخته الحاج أحمد صبيحة والده؛ فقد كان جده لأبيه قطاناً كما كان جده لأمه كذلك قطاناً في الصيف وغواصاً في الشتاء.
ويضيف قائلًا: «عندما قدم والدي إلى سيهات لم يتخذ له دكاناً كون المنطقة مازالت تسكن في «العشيش»، ولم تظهر عليها بعد آثار المدنية والتحضر، لذا جرت العادة أن نتنقل بين البيوت منذ الصباح الباكر لتضريب «الدواشـق»؛ حتى المغيَب».
تـضريب
«صبيحة» الذي مارس مهنة الندافة، وهو مازال صغيراً لم يتجاوز العاشرة من العمر يتذكر البلدات التي اشتغل فيها ندافاً مع والده؛ كالجش، وأم الحمام، وتاروت، ويقول: «أما أمي فقد كانت تخيط قماش «الدواشـق» بيديها قبل أن تأتي ماكينات الخياطة، وكل ما علينا نحن هو دس القطن داخلها، وإعادة خياطة الجزء المتبقي الذي لم يخاط.
ويتابع: «عندما بدأت العمارة عام 1375 اتخذ والدي له دكاناً وسط السوق في بناية الدبيس عند مسجد الإمام الرضا، ثم انتقل إلى دكان آخر في بناية لعائلة دعبل، ثم استقر أخيراً في مدينة العمال، وبدأنا العمل أنا وأخي الأوسط، أما أخي الأكبر فظل في الأحساء يعمل قطانًا»، مضيفًا أن أعمامه الثلاثة كذلك اشتغلوا مع أبيه في سيهات وهم محمد وعبدالله وجواد.
أنواعه
ويوضح بقوله: «القطن الذي كنّا نعمل عليه يستورد من تركيا إضافة إلى أن هناك قطناً من الهند وباكستان، ولاحقًا استورد من إيران نوعاً ممتازاً اسمه «الكتان»، أما القطن المصري فلم أره في حياتي العملية كونه أبيض ناصعًا بزيادة، ويستخدم للأغراض الطبية»، لافتاً إلى أن القطن سنبلة من شجرة تزرع في الأرض، كزهرة «الرازقي» البيضاء التي في وسطها قطن، حيث تجمع هذه الحبات في أكياس.
ويؤكد «صبيحة» أن جميع الندافين قدموا من الأحساء وعائلته هي أول عائلة زاولت هذه المهنة حتى موعد اندثارها وإحلال الإسفنج بديلاً عنها، وهو آخر قطان في سيهات، مضيفاً أن هناك عائلات كثيرة تحمل اسم قطان (الكنية)، وذلك لأنها تمتهن هذه المهنة أو أن أحد أجدادها كان يعمل في هذه الحرفة العريقة.
الندافة في القطيف
أما عن الندافة في القطيف الأم فيقول «صبيحة»: «إن دكان النداف في القطيف كان يقع في شارع الحرية، وهو لعبد المحسن، وعبدالله الضو، وكذلك كان هناك دكان في تاروت لرضي الشايب وأولاده حسين والحاج علي، أما في صفوى فكان هناك دكان للحاج جاسم الماجد القادم من الأحساء والذي له صلة قرابة مع والدي - رحمه الله».
ويذكر أن العديد من الندافين استبدلوا قوسهم بماكينات كهربائية استوردت من الهند لندف القطن، وعلي طاهر القطان من الأحساء هو أول من استوردها وعمل عليها، وكان يستورد أيضًا القطن الذي كان والده بدوره يشتري منه.
عصر القطن
ويبين أن عصر القطن انتهى منذ عشر سنوات تقريباً، وذلك بعد أن حل الإسفنج بديلاً عنه، لما يتمتع به من نظافة وسهولة في العمل، وكونه مادة معوضة، لافتاً إلى أن القطن يتطاير منه الغبار والأوساخ التي تسبب للعامل عليه حساسية الصدر والربو.
ويضيف: «كنّا نتحمّل رائحة القطن المبلل بـ«البول»، ونحن نعمل على ندفه من جديد ولم تكن تفصلنا عنه إلا بضع سنتميترات؛ لهذا أُصبت بالربو، وابتعدتُ عن هذه المهنة، إلى جانب السبب الآخر والمباشر وهو قلة الطلب على القطن، والتحقتُ بأرامكو ومكثت فيها ما يقارب الثماني سنوات ثم تركتها لأسباب شخصية ورجعت قطاناً من جديدٍ، وأحن للمهنة كثيراً؛ فأنا كمدمن سجائر أعود كلما اشتقت لها رغم مضارها على صحتي، فأنا ابنها الذي فتح عينيه عليها وعندما كان عمري أربع سنوات كنت أرى أبي وأخوتي يشتغلون فيها بجدِّ وحب».
ويتابع: «لم يعد في السوق قطن كالسابق لهذا عملتُ في التنجيد والستائر إلى نهاية رمضان العام الماضي، وأغلقت الدكان، وأنا الآن نصف متقاعد أعمل على حسب الطلب في الستائر والتنجيد، ولمن يحتاج المساند».
وعن نفسه يتحدث محمد صبيحة قائلًا: «جذوري تعود إلى قريتين في الأحساء، أمي من قرية الحليلة، وأبي من قرية القارة، ومن مواليد وسكّان سيهات، درستُ حتى السادس الابتدائي، في مدرسة ابن خلدون على يد مدرسين فلسطينيين، ومن أبناء سيهات أذكر المعلم حسن عبدالله المرهون، وأحمد صالح زين الدين».
وما أن نسأله عن إمكانية رؤية صور قديمة له حتى تلمع عيناه ويجيب: «عزيزٌ عليّ هذا السؤال، وكم هو مؤلم رد الجواب، جميع ألبوماتي التهمتها النيران التي شبت في دكاني، ولم يبقَ منها سوى الرماد، حتى صاحب البناية طردني، قائلاً: حرقت بنايتي».



