أكيد حرمة!!

منذ أن بدأ السماح للمرأة بسياقة السيارة بتاريخ 10/10/1439هـ والأنظار على الجنس اللطيف مسلطة، فكيف لمن تعودت على الجلوس بالبيت وتربية الأبناء والطبخ لسنوات، ومن اعتمدت على الزوج أو الأقارب لمشاويرها في العمل والاجتماعات العائلية، أن تتحرر اليوم من قيد الاعتماد عليهم.
ونظرًا لانشغال الرجل الدائم، قد ترى المرأة أن احتياجها لقيادة السيارة أمر مهم لكي لا تكون عبئًا عليه في توصيلها لكل الأماكن التي تريدها لأداء واجبات ذاتها من تعليم وعمل، وأداء واجباتها العائلية والاجتماعية بالتواصل مع الأهل والأصدقاء.
منذ ذاك التاريخ وربما قبله وهي تستعد للإمساك بمقود السيارة بحماس ومهارة، ممتثلة بتعليمات السلامة والنظام، لتنال الرخصة بالنهاية بكفاءة وبجدارة وبزمن قصير.
وهناك من كان مثالًا للدعم لزوجته أو أمه أو ابنته أو أخته بالتشجيع والتعليم وشد الهمة والعزم للوصول لمرحلة الإتقان والتحرر من الخوف وعدم الحاجة حتى لمدرسة خاصة لتعليم القيادة.
بالمقابل هناك من يجيد فن تكسير المجاديف بجدارة ويستحق التصفيق لكفاءته فيها، فمجرد سماع خبر لحادث اصطدام سيارة بأي مكان فأول جملة ستطرق سمعك والذي قد لا ينتظر التفاصيل لقولها سينطق: أكيد حرمة!!
وكأنما الحوادث لا تقع إلا بسبب النساء اللواتي للتو دخلن عالم قيادة السيارة متناسين أنها كائن يعتريه الرهبة والخوف أكثر من الرجل، فحين تقرر أن تدخل الأحياء والشوارع العامة والمزدحمة فبالتأكيد لن تدخل مكانًا قد تعرض نفسها أو غيرها فيه لخسائر مادية أو روحية من دون تدريب وإتقان أو حصول على رخصة، لكن هناك أمورًا تحصل خارجة عن إرادة حتى المحترفين.
ولو كنا منصفين حقًا لوزنا بميزان عادل بين الرجل والمرأة، الرجل وهو بسن المراهقة يتعلم القيادة وفترة التعلم تكون طويلة وشبه يومية والممارسة كذلك تكون عميقة مع كثرة السنين لحين حصوله على أول سيارة باسمه، أما المرأة فممارستها تقاس بالأشهر ولا تتعدى السنة، فكيف يقاس أداء الرجل بأداء المرأة؟ كيف يقاس المتمرس بالمبتدئ؟
ومعروف أن أصعب المراحل بأي شيء هي مرحلة البداية، فإذا بدأ الشخص بمشروع ولاقى الانتقادات عليه بصفة هجومية قد يتنازل عن مشروعه من بدايته.
ونحن في فترة قيادة المرأة للسيارة بالسنة بالأشهر الأولى نعيش انتهاز البعض لأي فرصة لأخذ الحوادث التي تحصل من قيادة النساء لقمة سائغة للاستهزاء أو الوضع تحت عدسة مركزة ليغدو إعلانًا تجاريًا غير مدفوع التكاليف ومُستقبل لكل أنواع التعليقات السلبية، وكأن البعض يجد تلك الفرصة ككنز مفقود طال البحث عنه.
مشكلتنا ليست مختصة بموضوع القيادة فقط بل في كثير من المواضيع أننا نمجد الرجل ونصفق له بحرارة مهما أخطأ، "فالرجال شايل عيبه" كما يقال بالعامية، الا المرأة فلا، الرجل يغفر له بالكبائر والمرأة تعاقب على اللمم.
وسأطرح مثالًا للتوضيح؛ الحوادث كانت تحصل بكثرة وأعداد المتوفين منها كثيرة جدًا، وبآخر إحصائية بالمملكة للربع الأول من عام 1439هـ كان عدد الحوادث المرورية 107637 حادثًا بمعدل 1200 حادث مروري في اليوم، ووصل عدد المصابين فيها إلى 7776 مصابًا، وعدد حالات الوفاة إلى 1649 حالة، ومع هذه الأرقام المخيفة لم نر لومًا كثيرًا على جنس الرجال مثل ما نراه اليوم.
لأنه حين سُمح للمرأة بالقيادة الكل يتوقع خطأ المرأة، ويتوقع الحوادث من كل حدب وصوب، يحبّطون من عزيمتها، ويجعلونها تعيش الخوف من الخطأ والكلام الذي سيأتيها، والذي بدوره يجعلها تقع فيه بدون إرادة.
ليس عيبًا الوقوع بالخطأ إذا لم تذهب منه أرواح، فالأخطاء مدرج من مدارج النجاح التي يستفاد منها لمدى الحياة، لكن المؤسف التدقيق على أخطاء المرأة واتهامها عند صدور أي خطأ أو حادث بدون تفكير.
وإذا كان الرجل يعتبر المرأة ندًا له وخارجة عن تحكمه، وينتهز أي فرصة للتقليل من إنجازها والتعليق على قيادتها، فالغريب إذا اجتمعت تعليقات الرجال والنساء معًا بتهويل أي خطأ صادر من هذا الكائن الحساس الذي صدر منه ما يسمى حادثًا بسيطًا!!
ومع أن المرأة تدرك أنه بتعلمها القيادة ومكابدتها العناء في كل هذا، فإنها سوف تودع جلسة الملوك التي كانت تجلسها حين يوصلها ذووها حيث أرادت وهي لا تحرك ساكنًا، فلن تخشى من السيارات التي حولها لتفادي أي اصطدام، أو إذا كان هناك من يعبر الشارع فلابد لها من الانتباه أكثر والنظر للمرآة أو التدقيق على العداد وغيرها من الأمور التي تحتاج تركيزها.
بل فضلًا عن ذلك، أنها ستحمّل مسؤوليات إضافية ستنتقل لها تلقائيًا بعد استلام الرخصة وربما حتى قبلها، فتوصيل الأولاد للمدرسة أو للمستشفى والذهاب لأي مكان يخصها سيكون على عاتقها، وشيئًا فشيء سيتعلم الرجل الانسحاب عن مسؤولياته بحكم أن المرأة تستطيع أداءها بدون توصيلته.
أخيرًا أقول؛ نحن نجيد فن التحبيط، فمتى نستطيع إجادة فن التشجيع؟؟



