الاختلاف الفكري

الحياة بكل جوانبها وتفاصيلها تعج بألوان وأشكال الاختلاف ففي عالم النبات هناك اختلاف وفي عالم الحيوان هناك اختلاف متنوع ورغم ذلك فعجلة الحياة تسير بتناغم وانسجام فيما بين هذين العالمين الطبيعيين أم عالم بني البشر ورغم أنه يجري عليه قانون الاختلاف كما في عالم النبات والحيوان حيث إن هناك اختلافًا في الشخصيات والرغبات والميول والأحلام والدوافع والاهتمامات واللون وغيرها من أمور محسوسة وغير محسوسة إلا أن الاختلاف الفكري بينهم هو العقدة في قصة تاريخ البشرية فالبعض يرى المختلف عنه فكريًا إنما هو شاذ وليس مختلفًا في تفكيره والبعض الآخر وبسبب الاختلاف الفكري بينه وبين طرف آخر يرفع شعار "من ليس معنا فهو ضدنا ويعتبر المختلف عنه فكريا خصمًا له وليس مكملًا له وشبكات التواصل الاجتماعي يكثر فيها الجانب السلبي من الاختلاف الفكري فترى كثرة الفهم الخاطئ بين مقصود لم يفهم ومعنى لم يقصد فيتم التخاصم ورمي التهم والقذف بالكلمات الجارحة بين الأعضاء مما يسبب خروجًا من مواقع التواصل.
في حين أن الاختلاف نعمة وليس نغمة وهو بناء وليس دمارًا للعلاقات الاجتماعية وبالتالي فإن ثقافة الاختلاف الفكري بين بني آدم لها فوائد عديدة ومنها على سبيل الذكر لا الحصر:
١- اكتشاف التواصل مع الطرف الآخر ولا سيما لاكتشاف ما لديه من تنوع.
٢- وسيلة تكامل
لقد خلقنا الله مختلفين للتعارف لا للتعارك والتكامل لا للتصادم وإن هذا التكامل يبين لنا كيف أن الإنسان لا يعيش منفردًا عن المجتمع فعلى سبيل المثال المرأة والرجل مختلفان حتى في نمط تفكيرهما وكل منهما يكمل الآخر على أكثر من صعيد.
٣- سبب ارتقاء
حيث إن التكامل بين البشر يؤدي حتمًا إلى الارتقاء والتقدم وهذا ما يحصل في المجال العلمي والتكنولوجي.
فأذا كان الاختلاف بين البشر مهمًا ومفيدًا ولا سيما كجهة التقرب من الآخر والتكامل إلا أن عدم استيعابه والقبول به يقودان إلى نشوء الخلافات والصراعات على أنواعها ومن هذا المنطق يمكننا القول: إن أسوأ العقول
هي من تحول الاختلاف إلى خلاف فالاختلاف في الفكر والرأي يتبقى ألا يؤدي إلى العداوة (وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء) كما قال غاندي
وعليه فالاختلاف بين البشر بناء ودليل صحة وعافية!
وعلى الرغم من تعدد الأسباب المباشرة لوجود الخلافات فإنه يمكن للإنسان العاقل أن يعمل على احتوائها والتخفيف من حدتها بوسائل عدة ومنها اللجوء إلى الحوار واحترام الآخر في اختلافه فما أحوجنا في هذه الأيام أن نتعلم ثقافة الاختلاف لا الخلاف وهذا لا يتم إلا عبر التلاقي والحوار ومهما اختلفت وجهات نظرنا بآرائنا لكننا تجمعنا الإنسانية والقيم المشتركة وتقربنا من التفاهم والتعاون مع بعضنا البعض وعليه وإن لم يكن للاختلاف فوائد فما كان الله عز وجل ذكره في القران الكريم حيث قال الله تعالي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. وبالتالي فإن الطبيعة تؤكد أن الاختلاف هو أمر سائد في كل مكان وزمان، ويجب علينا جميعًا أن نتعامل معه بصدر رحب.
كما أن الاختلاف له دور كبير في إثراء الفكر، ويعود السبب في هذ الأمر إلى أننا نتعامل في مجتمع مختلف ومجتمعات مختلفة وبالتالي يكون لكل فرد ثقافة خاصة به، وهنا نبدأ تحقيق الاستفادة من تلك الثقافات من أجل التبادل وتعميم المعرفة
ولتحقيق أعلى استفادة من الاختلاف من أجل تنمية الفكر وإثرائه يجب أن نقوم بتنفيذ ما يلي:
أولًا الحوار والاستماع والإصغاء
وتعد أفضل طريقة للتعامل مع الاختلاف هي الحوار، والاستماع إلى ما يقوله الطرف الآخر والرأي المختلف، بالإضافة إلى الوقوف على الكلمات والتفكير بها، فتلك الخطوة لها دور في فهم الأفكار الأخرى بالإضافة إلى أنها لها دور في توليد العطف وتساهم في تقدير وجهات النظر المختلفة. كما يجب عند الاستماع للرأي الآخر أن نكون على اقتناع أنه ليس بشرط أن يكون هناك اتفاق في وجهات النظر بل يجب احترامها.
ثانيًا تقبل الاختلاف
حيث يجب علينا جميعًا أن نعلم أن الاختلاف سواء كان في أبسط الأمور أو أعظمها يظل جزءًا في العلاقة، وبالتالي فلا يجب أن نؤمن به، ولكن علينا أن نقبله.
ثالثًا انتقاد السلوك
حيث يجب عندما نكون في موقف اختلاف أن نقوم بانتقاد أي سلوك لا يعجبنا، ولكن لا يتم انتقاد الشخصيات أو انتقاد الشخص المتحدث، لأن هذا الموقف سيقابله حالة من الدفاع عن النفس وينتج عنه مشاكل مختلفة، بالإضافة إلى أن عملية تغيير الشخصية أصعب بكثير من تغيير السلوك فيجب أن يكون تركيزنا على السلوك وليس الشخصية.
رابعًا التعلم من الاختلاف
حيث من الجيد أن يكون هناك فوائد وتعلم من هذا الاختلاف، ومن الخطأ أن يتم الوقوف أمام الاختلاف ورفضه بشكل كلي، بل يمكن أن نأخذ منه ما يحقق لنا الإفادة الكاملة ونترك ما يضرنا، وهذا الأمر يكون مفهومًا يجمع بين مختلف الأفكار والقيم، مما يساهم في إثراء الفكر بالشكل المطلوب.
خامسًا النظر إلى إيجابيات الاختلاف
فعندما يكون هناك اختلاف يجب أن ننظر إلى الإيجابيات الخاصة به، ونقوم بإبداء الرأي سواء كان إعجابًا أو نقدًا ولكن بشكل لطيف مما يعمل على تحسين العلاقات المختلفة بين الناس ويساهم في جعل العلاقات أكثر تماسكًا، وتلك الخطوة أيضًا تساهم في إثراء الفكر.
سادسا تأكيد الذات
وفي تلك النقطة يجب أن نعلم ما هو الفرق بين الهجوم والاستسلام وتأكيد الذات، حيث إن الاستسلام يكون المرحلة التي بها ينسحب الشخص ويكون ملتزمًا بحالة من الصمت، وربما في هذا الوقت يفقد احترامه لنفسه ويتقبل أن يكون مهانًا، وهي خطوة ليس من المفضل الوصول إليها، بينما الاستسلام هو الذي يتسبب في إظهار الخوف مما يتسبب في التراجع.
أما عن الهجوم فهو الذي يتسبب في فقد الاحترام بين الشخصين، حيث يقوم الشخص المقابل أيضًا ببذل جهد من أجل الدفاع عن نفسه، وفي هذه الحالة يقوم بتوجيه الانتقادات فيتحول الأمر إلى مشادة ومشاكل وليس نقاشًا، أما عن تأكيد الذات فهي الخطوة الفضلى التي يكون من خلالها هناك حالة من الاحترام بين الطرفين، ويكون الأمر من خلال مشاركة الآراء الداخلية والانفعالات مع الأخرى، بالإضافة إلى أنها دليل واضح على الثقة بالنفس وعلى قبول الرأي والرأي الآخر، كما أنها تكون خطوة مهمة في أي خلاف.
وبالتالي ففي النهاية يجب ألا يفسد الاختلاف بيننا أي قضايا، بل يجب أن يكون وسيلة من أجل احترام الإنسان وزيادة معلوماته وإثراء الفكر.



