أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عكاز وأمل.. 2

جمال الناصر · القطيف اليومالخميس 24 مارس 2022، 8:08 م
عكاز وأمل.. 2

في صباح يوم الثُّلاثاء، كان موعد إجراء العملية إلى وسام، أخبرته وفاء بأنَّها ستكون إلى جانبه، وستحضر مُبكرًا إلى المشفى..، أشرقت ابتسامته، التي تُنبئ عن طمأنينته وتفاؤله.. .
حضرت وفاء قبل العملية بثلاث ساعات، حيث كان المُقرر إجراءها في الساعة العاشرة صباحًا، جلست بقُربه، كان وجهه، تسكنه الرَّاحة.. .
وفاء، شُكرًا؛ لأنَّك هُنا..، يُخبرها وسام
ليس غريبًا؛ لأنَّه من الواجب أن أكون هُنا..، بطلتها البهية، تُخاطبه وفاء.. .
تبادلا أطراف الحديث، الذي لم يخلُ من اللَّمسات الفنية، التي تختزل حديثهما، كالعادة.. .
أتعلم أنَّ من المُهم أن يلتفت الإنسان إلى النَّظرة الجمالية في كلّ شيء يحدث له، وأن يمتلك الرُّؤية الفلسفية لها، ليُحلل حيثياتها، ويكتشف كنهها، الإشارات التي تبعثها من خلال التَّعمق فيها، كلّ الأشياء التي تحدث لنا، هي بمثابة رسالة، ينبغي علينا أن نقرأها، نستوعبها، وبناء عليها نقُوم بأخذ ما ينفعنا، ويجعلنا نُحبها، وإن كانت تحمل في طياتها الألم..، أشارت وفاء، وهي تتأمل ملامحه، وأثر كلامها عليه.. .
يغرق في الصَّمت، لم تتعجب، الآن، تسترجع كلماته التي قالها ذات يوم، وهي تُراقبه أثناء رسمه لوحته الأخيرة قبل الحادث.. .
لا أعلم، كيف لوجودك في الوقت، تبعثين في ذاتي الصَّمت، لأصغى إلى كلماتك، شيئًا ما يشدُّني إليها، فأشتاقها كلَّما لم يحضر طيفك، وأعوض هذا الغياب باسترجاعها، والوقوف على كلّ كلمة، لأكتشف معانيها..، يُحدثها وسام بهُدوء الإنسان الغارق في ما وراء الحسّ، قريبًا من الغياب، الذي يستنطقه.. .
اقتربت السَّاعة من العاشرة..، أصبح وسام جاهزًا لدخول غرفة العمليات، والديه في الخارج، تعمدا أن يتركاه مع وفاء.. .
الآن، مضى من الوقت على دخول وسام إلى غُرفة العمليات أكثر من ساعتين، وبينما الجميع في غمرة الوقت، إذ خرج الدّكتور، الأحداق، تقفز باتجاهه، هرول الوالدين إليه، نبضاتهم، ترتجف، بينما وفاء، تجلس على الكرسي الواقع يمين غُرفة العمليات، لم تلتفت إلى حُضور الدّكتور، كانت تضع كلتا يديها على رأسها، وتُحدّق في الأسفل، الآن، تسترجع ذكرياتها الحزينة، كأنَّها للتو تحدث، اعتصر قلبها، ما أقسى الطَّلاق، حين يجعل حياتك، كالرَّماد، كأنَّ شيئًا لم يكن، ما أقسى، أن تعرف الأنثى ذات يوم عن طريق المُفاجأة، أنَّ زوجها، الذي ارتبطت به، قد تزوج عليها صديقتها المُقربة، انتبهت من شُرودها، عندما نادتها أم وسام، والسَّعادة، تفُوح من شفتيها، ووجهها، ترتسم عليه البشاشة، وهي تُخبرها عن نجاح العملية.. .
قامت وفاء باحتضانها، والدُموع، تنساب على وجنتيها.. .
إنَّ الدُّموع، التَّفاعل الأقرب، الذي يظهر، كمُترجم إلى تفاعلنا، أكان في الحُزن، أو في الفرح، لهذه الدُّموع فلسفتها، يُخطئ من يراها، تعبيرًا عن الضّعف، تعبيرًا عن فقد الحيلة، تعبيرًا عن انكساراتنا، تعبيرًا عن غُربتنا، انهزامنا..، إنَّها بمثابة الماء، الذي يُبللنا، لتصفو ملامحنا، وتنتعش أرواحنا، وتأنس قُلوبنا، إضافة إلى فوائدها الصّحية على العين، لتقوم بتنظيفها عن الغبار.. .
مرَّ أسبوع منذ إجراء وسام العملية، الآن، برفقة والديه، يتوجهون إلى المنزل، وفاء، تنتظرهم، اتفقت مع أم وسام، أن تظلّ في منزلهم، لتقُوم بتجهيزه لاستقبال وسام، وتعد الغذاء لهم..، وما هي إلا دقائق في حساب الزَّمن، ووسام، تخطو قدميه ممر الصَّالة، ليجد وفاء بانتظاره، وفي يديها باقة ورد، تُصافح كلّ زهرة رفيقتها، تقدمت نحوه، وهو يتقدم، مستعينًا بالعُكاز، يتمايل..، فلم يتعود عليه، فلم يستخدمه إلا قرابة االسَّاعة، مدَّت يديها، وناولته الباقة، وهو يُحدّق في عينيها الباسمتين، يقرأ ما يلمع فيها، تناول الباقة، وهو يُقدم شُكره لها، خجلًا.. .
تناول الجميع الغذاء، والدَّهشة، تستفز فُضولهم، لروعة التَّنسيق، إلا إنَّ وسام، مُطرقًا في الخيال.. .
الشَّوق..، المسافة بين قلبين، لهُما ذات الشَّوق، وذات اللَّهفة، وذات الأنفاس، كيف لهذا الشَّوق، أن يتنفسه العاشق، ويرتشفه، كأنَّه رائحة القهوة، تنساب على شفتيها الحمراوين..، يتذكر وسام هذه الكلمات، التي قرأها في إحدى الرّوايات، التي أهدتها له وفاء في عيد ميلاده الأخير.. .
لماذا تمرُّ هذه الكلمات، الآن فيَّ، أتُراها جاءت، لتعصف بي مُجددًا، تُعيدني إلى تلك الأيام، التي حاولت مرارًا نسيانها، لماذا الآن؟!، فجأة، كأنَّه اصطاد شيئًا، تذكر كلماتها ذات لقاء، وهي تُناقشه عن الفن، عن الكتابة.. .
وكل مبدع وراءه أنثى، تستفزه، ليُبدع..، نعم، هي قالت هذه الكلمات..، يضيف وسام.