هكذا عشنا رمضان

يحلو الحديث عن رمضان، وتزداد الرغبة بقدر ما يزداد الشوق إلى لقائه مجدداً، فإن شهر رمضان له عند كاتب هذه السطور ذكريات محببة، ذكريات لها جذورها الممتدة فيما سلف من سنين، حين كان رمضان -لا كعهدنا به الآن- الشهر الذي تتأهب القلوب لاستقباله خالصة مخلصة وسعيدة أتم السعادة للقائه وصيامه والتبتل فيه، كان رمضان يفد بمعان كلها من نور، وكانت الفرحة بانتظاره أتم وأوفى، وكان يوم إيذان حلوله يوماً له جماله وجلاله في أعماق القلوب، وكانت ساعة الإفطار ساعة مسرة وروحانية، كان القلب طوال ذلك الشهر روحاً مضيئة تستشف جمال الوجود وجلاله، ولم يكن الصيام على ما فيه من مسغبة إلا متعة روحية، وكانت الساعات التي تعقب الإفطار ساعات سمو وتسام لا يجدها المؤمن إلا في رمضان.
هكذا كان حال رمضان فيما مضى، بل حالنا نحن على الأصح، فرمضان لم يتغير؛ إنما ظروف الحياة وأنماطها والتي طغت بعواملها المادية على ذلك الإحساس الخاص الذي كان يحمله الصائم من محبة وتوادد وتسامٍ على ماديات الحياة، يحمله الصائم وهو يدرك حكمة الصيام ومغزاه، فلا تثنيه مطالب الحياة وضرورات الكدح عن شهر الله العظيم الحبيب الخفيف على القلب والروح.
عرفنا رمضان ليس مجرد امتناع عن تناول طعام وشراب، إنما الامتناع عن كل ما يصرف عن طاعة الله عز وجل، فالصائم يملك القوة الروحية التي تستطيع أن تسمو به عن سفاسف الحياة ومتاعها الزائل لكي يحس المؤمن أن للحياة وجهاً آخر أكثر جمالاً وإشراقاً، تلك القوة الروحية تجعل الصائم قوة وسنداً لأخيه في مجابهة ماديات الحياة وأوضارها.
الصائم يشعر بنقاء النفس وصفاء الروح. ما أحوجنا إلى ذلك في عصر كعصرنا تكاد الماديات أن تطغى فيه على الروحانيات. ففي رمضان تعمر المساجد ودور العبادة بالركع السجّد، الذين يغمر نفوسهم الإيمان والاتجاه بإخلاص إلى مبدع الكون، منادين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [سورة البقرة: الآية 201].
ربيع الشهور رمضان المبارك، يعد فرصة طيبة لربة البيت لإظهار مهاراتها في الطهي، وساحة التفنن في صنع الأكلات الرمضانية الشهية التي تأخذ وقتاً وجهداً لا يستهان بهما، لكنها تنسى التعب بمجرد اجتماع واحتفاء الأسرة على المائدة، فهي توفر الاستقرار الكافي لاجتماع العائلة، وهي محطة للتزود بالدفء الأسري، يحلق أفراد الأسرة جميعهم حولها، وتغص بأنواع الأطعمة والمشروبات، هم ينتظرون الأذان ومدفع الإفطار، وعندها يتناولون فطورهم مبتدئين بشكر الله تعالى على إتمام الصيام ونعمة الإفطار، وبالرطب أولاً ثم بالتمر إن لم يجدوا رطباً، ثم يؤدون الصلاة، وبعدها يقبلون على موائد رمضان العامرة بالخيرات، تُقدم أصناف شتى من أطعمة وأشربة يختص بها هذا الشهر الفضيل. أليس هو من أفضل شهور السنة على الإطلاق؟ فالمائدة الرمضانية مميزة وتختلف اختلافاً ملحوظاً على المائدة اليومية خلال بقية أيام السنة، اعتاد الناس تناول أطعمة مغذِّية وسوائل منعشة، تعد وتحضر وترص وتفرش بجميع الأصناف، وفي العرف السائد في تناول الإفطار البدء بحفنة من التمر يليه بقية الأطباق المالحة والحلوة بجميع أنواعها، تلك الأطباق التي تنهمك ربات البيوت بتحضيرها.
اعتاد الناس في الفترة المسائية أن يملأوا الأمكنة وينطلقوا إلى الأسواق، وللأسواق في رمضان بهجة ورونق، وتغص بأطايب الطعام.
كان بعض الصغار يبدأون صيامهم عقب تناول وجبة الغداء، وبعضهم يبدأ الصوم بعد وجبة إفطار شهية تساعدهم على الصمود دون طعام وشراب حتى موعد الإفطار في المغرب. ينطلقون جميعاً يلعبون ويمرحون في انتظار تصريح الإفطار الذي يأتي مع مؤذن المسجد المجاور، وإذا أذن المؤذن، اندفع الأطفال إلى منازلهم لإخبار الجميع بموعد الإفطار، ويقتربون من المائدة ليعربوا عن مدى ظمأهم.
يطول بنا الحديث ولا نوفي الذكريات التي عشناها في رحاب شهر المغفرة والرحمة، وحسبنا أن نتذكر النفحات الطيبة والذكريات العطرة، فلا يزال وجداننا مرتبطاً بالماضي الجميل المحبب، له حنين لا يعرف نكهته إلا من عاشه، ولا تزال ذكرى الصيام عالقة بذهني مذ كنت صغيراً، فقد كنت أغبط والديّ على الصيام، وأحاول التشبّه بهما، وأتمنى أن أكبر بين عشية وضحاها فأصبح مثلهما، لا أذكر في طفولتي أن أحداً طلب مني أن أصوم، ولم أكن قد بلغت السابعة من عمري، ربما لأني عشت في بيئة ملتزمة، عاشت الشعيرة بكل معانيها وتجلياتها الروحية، وما أراه من مظاهر أحسست بالرغبة بالصوم، وكنت ألهث ظمأ قبيل المغرب، ومع ذلك تحمّلت قسوة الظمأ حتى لحظة الإفطار، وكان يغريني السحور لما فيه من تغيير لروتين المائدة اليومي، وتطربني أصوات باعة المأكولات الشعبية الذين تعج بهم الأسواق قبل الإفطار، وهم يعلنون عن مأكولاتهم الشهية بأصوات شجية، وفي لياليه يحلو السهر، فيتجمع الناس أفواجاً يتسامرون ويتبادلون الملح والطرائف، أخذنا نتدرج في الصيام، ثم ألفنا الصوم وتعودنا عليه في سن مبكرة، ونعمنا بأطايب طعام الصائمين، وقبل العيد بليال تعج الأسواق بالمرتادين من مختلف الأرجاء.
- من العادات الرمضانية المحببة صوم الأطفال حيث يتعود الطفل على الصيام من الفجر حتى أذان الظهر، ليتناول الطعام والشراب فترة ما قبل العصر، ثم يستكمل صيامه حتى المغرب، ويجتمع على المائدة مع أفراد عائلته وهو يشعر بأنه قد صام كالكبار.
- من العادات المحببة التي تدل على التآلف والمحبة والود تبادل الأصناف بين الجيران، يهدي كل جار جاره صنفاً من الأصناف التي طبخها.
- من العادات المحببة تناول طبق الثريد، الطبق الرئيسي على مائدة الإفطار، يعني تشريب الخبز العربي بماء مرق اللحمة والخضار، وهذا الطبق يكاد يكون يومياً.
- من العادات المحببة في ليالي رمضان مظاهر الأطفال وهم يغدون ويروحون من مكان إلى آخر، يمرحون ويلعبون ويتجمعون حول الباعة الذين يصنعون الحلوى والمأكولات الشعبية، ولا تكاد تخلو ممرات الديرة والبراحة من الصبيان.
- من العادات المحببة في ليالي رمضان شخصية المسحر الذي يوقظ الناس لتناول السحور.
- ظاهرة إنتشار المطاعم الشعبية التي تقدم الأكلات المحلية والأصناف الرمضانية والتي نشأت لتحاكي عبق الماضي الأصيل وبساطته، لكن رغم تنوع الأصناف واستخدام الموروث الشعبي لجذب الأهالي والعائلات؛ إلا أن هذه المطاعم تفتقر إلى ما نصبوا إليه، وفاقد الشيء لا يعطيه، افتقدت مقومات الأكلات إلى النكهة الحقيقية والطعم الأصيل من منطلق أن للبيت امرأة محنكة تتقن الطبخ، وتوفر شيئًا آخر مهمًا هو "النفس"؛ لتعطي أفراد أسرتها أكلات عالية المذاق والطعم الطازج الذي ذهبت به ثقافة سياسات التسويق وما يثار نحوها من سلبيات.
وأخيراً، رمضان أيام زمان يتميز بالروحانيات التي نجدها في داخل المساجد ودور العبادة وحلقات العلم متمثلاً في عباد لله انقطعوا للذكر والصلاة وتلاوة القرآن وتدبر آياته والأدعية المأثورة آناء الليل وأطراف النهار، واستغلال ساعاته في القيام بالأعمال الصالحة، هذه الأجواء العبادية تجعل الصائم يعيش روعة هذا الشهر الكريم وجلاله.
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات



