أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عُذرًا.. «3» والأخير

جمال الناصر · القطيف اليومالإثنين 13 يونيو 2022، 10:47 ص
عُذرًا.. «3» والأخير

رمقني أبي بنظرة، فاستجبت له على الفور، توجهت إلى المجلس برفقة أبي، أدخلني أبي، وكلي، يهرب من كلي، أجلسني أبي، وتوجه ناحية الباب، ليقف في انتظار خُروجي، لم يكن أبي داخل المجلس بكله، وليس خارجه، ما هي إلا بضع دقائق، أو أقل من البضع، وأظُنني قد وصلت حُجرتي مُرتبكة، فارتميت على فراشي، أبصر في اللاشيء، في الأعلى بياض، يبدو لي أنَّه عالم، أحاول فكّ شفراته، حيث تملكني الإحساس بالرّاحة، والقلق في آن واحد.
كان وسيمًا، لم يتحدّث معي بأي كلمة، فقط نظر لي، نظرة المُتفحص، أحسست بطوق، يلفني تجاهه، عيناه حالمتان، كأنّهما الغرق ذاته، أتُراني غرقت فيه، لانتشاء الصّبا في مشاعري، وفُقدان الشّعور بالعاطفة، لهذا تعلّقت به، لمُجرد بضع دقائق بلا كلمات، أليس هذا ضرب من الجُنون؟ّ! تسأل نفسها مُتذمرة بعد خُروجه.
طلبت مني أخته عبر مكالمة هاتفية أن تُعطيه رقمًا هاتفيًا، لنتعرف على بعض أكثر، أخبرت أمي بذلك، وأخذت مُوافقتها، وتمّ التّواصل بيننا، لا أخفي عليك، يا عبير، قد اختلطت المشاعر فيَّ، وتلبسني الشّوق، وأرهقني تأمله فيَّ.
في العادة، يأتي الانطباع الأول صادقًا، وهذا الصّدق، قد يُخالجه ما يُعكر صفوه، أراني أجُدك في صدمة نفسية، يا لهذا الصّراع النّفسي، الذي تُعانينه يا ملاك، لماذا لم يأت الوقت، لتكوني أنتِ، وتتخلصين من وقع سياطه. تقول عبير بألم.
أتعلمين أنَّ القدر، يتلطف بنا مرارًا، يضعنا في مُفترق طريق، ويمنحنا مظلة، نستريح على ضفافها، لنفتح نافذة أوجاعنا، ونبُوح بها إلى من يُشبهنا، بعد أيام من اللّقاء، وقت ليس بالقليل، تعرفت عليه جيدًا، يحمل بين أضلاعه قلبًا حنونًا، يمتلك ثقافة لا بأس بها، أراها جميلة، يُتقن استخدام الكلمات، التي تدخل القلب بلا استئذان من أوسع أبوابه، ولكن المُفاجأة، أنَّه مُتقلب المزاج، يُخيل لي أنّي عدوته، أو قاطعة طريق أمنياته، وأحلامه، أشعر به أحيانًا لا يكون في وعيه الكامل، ليُدخلني في عالم إجراء المُعادلات الحسابية إلى تصرفاتها، لأصل إلى النّتيجة الحقيقية، التي تقبل القسمة على ما يختلج في نفسي، وبعد أن عقدّت العزم على الموافقة، مُتجاوزة هذا التّوجس والقلق، يقُودني هذا القارب العاطفيُّ، هذا التّشابه بيننا تجاهه، وأبلغته، ليُخبر أهله، لم ألمس سعادته حينها، وعلى الفور قطعت تواصلي معه، إيذانًا بانتهاء فترة التَّعارف، وبعدن يومين، جاءتني مُكاملة من أخته، لتُخبرني أنّه لا يُوجد نصيب، لهذا الارتباط، وأنَّ فكرة الارتباط، جاءت كمرحلة علاجية لأخيها الذي يُعاني من ظروف خاصة، لم تُرد البوح بها لي، أتراها إذا ما أخبرتني بها، الآن سأمتلك حينها تقنية الإصغاء، لا أظن أني سأتعرف على حُروفها، أو على ظروفه، وكلّ أحلامي، التي بنيتها تحت ظلّه، تبخرت، كأنَّها لم تكن ذات يوم، تتراقص في يديَّ، وألاحقها بعينيَّ، وأنتظرها بكلّ اشتياقاتي.
فتحت عبير عينيها باتساع كلّ حُروف التّعجب، التي تُمارسها في كتاباتها، والتي لا تمارسها، إلا من خلال الإيحاء، كإيماءة الطّيف ما بين النّوم واليقظة، وماذا حدث بعد ذلك؟! تسأل عبير بذعر
كان سرابًا؟! تُجيب ملاك.
ثمَّة ضوء، فإنَّ الحياة باتساعها، تمنحك الأمل في كلّ خُطواتك، مهما تحجر الوقت ذات خذلان، ستُشرق الحياة بالفلّ والياسمين، إنَّ أجمل ما تُهديك الحياة أنَّها لا تجعلك، تعيش ذات الوقت مع الظلّ ذاته، بعض الظلّ، يكون سرابًا. تُناغيها عبير بكلماتها.
ما بين أهاتها وألحانها، تعقد قرانها مع الصَّمت، وتفتح نافذته باتجاه الضُّوء، حيث البعيد، تُدغدغ بالكلمات، تفاصيله.
في غمرة الصّدمة، أخذتني فدميَّ إلى المجلس، نظرت إلى مكان جلوسه، كنت أعاتب خياله، وألمس الأريكة، التي احتضنت منه الجزء، لأحضنه بكلي، أعيد ترتيب اللقّاء كما أشتهي، لم أبك إطلاقًا، فقط أتحسس الأشياء.
مرَّت الأيام، ألتحق بالجامعة لأتفرغ إلى الدّراسة، لأهرب من هذا الواقع، لأعيش، لأحقق ذاتي، ما أصعب أن تخذلك الحياة في بداية تفتح أزهار روحك وفكرك، ولهفتك في الوصول إلى من يُشاركك أحلامك، وتطلعاتك.
أتعلمين؟ عندما تعرفت عليك جعلتني أكتشف ذاتي مُجددًا، أخذتي بي ناحية الشّطآن الدّافئة، أصبحت أقرأ، أعود إلى عالمي، الذي كان أنيسي في وحدتي، والمرآة، التي أعبر فيها عن مكنونات داخلي، لأصفف الخُصلات على نغم الكلمات، وأحس بوجودي المُفعم بالحياة.
يا عبير، أتعلمين؟ أنّي مُنذ عرفتكِ، وأنتّ تهتمين بي كيف تمكنت روحكِ من اختراقي، وعقلك من احتوائي، لينفض عن ثقافتي غبار التّجمد، صقيع النّفس المُتبلدة.
أتعلمين؟، وأعلم أنكِ تعلمين، أنّي عقدت مع اليراع وثيقة عشق، أتنفسه بكلّ خلجاتي، وآهاتي، بأواني المُتعبات، التي تحولت على يديك إلى الأمل، يلفني بقماشه من بُرودة الجو.
دائمًا اللّحظات الجميلة، تُتلفها دمعة الفراق، لم يتبق من وجُودها في الجامعة، سوي أسبوع، لترجع إلى مسقط رأسها، وتبقى عبير في جدة، بلدتها الحالمة بأنفاس بحرها، ومبانيها، التي تحكي جمالية البناء العُمراني لها، لتُودعها بنبضات قلبها، المُسافرة.
مضى الأسبوع ثقيلًا، تخرجت ملاك في الجامعة، في المطار، وهي تُودع صديقتها عبير، لا، لم تكن صديقتها، كانت توأم رُوحها، فقد وضعت عنوان قصتها الأخيرة، التي كتبتها على مقعد الطّائرة، وهو "توأم الرّوح"، جاء وقت صُعود الطّائرة، الآن، سينفك عناق أصابعهما، حيث لم يفترقا طوال وجودهما، تنسحب الأصابع، كتزحلق البراءة بين طفلتين، الفراق، يجيء الغُربة، همست ملاك في أذنيّ عبير، الآن يا روحي، يجب أن نفترق، بكت ملاك، احتضنتها عبير، لا تعلم كان هذا البكاء إلى من؟، ولا تعلم، هذا النّحيب إلى من؟، كل ما ستتعرف عليه حينها أنَّ الفراق مُوجع، مع تلك الوجوه، التي تُشبهنا، حلّقت الطّائرة، ملاك تنظر من النّافذة، تركت ذكرياتها الجميلة في هذه المدينة، وتركت وجهًا يُشبهها، ورُوحًا، كانت رُوحها، تشكلت في جسد آخر، كان هي.