خط العودة والتصحيح الذاتي.. حدث وحديث (16)

عادة مَا يَتبادر إِلى حَافظة الذهن الحاضر، عند ذِكر مُفردة "العَودَة" استرجاع وإِعادة مَقطع، أَو مقاطع مُتلاحِقة مِن رُكام مَخزون "فلاشات" الماضي؛ لهَدف مُلحٍ، أَو حَاجة مُستحوذة مُحددة، ومُتعددة الجوانب، ومُختلفة الشفرات، نابعة مِن قَعر غَمرة جِعاب مَرامِي تلك الفلاشات النابضة عَادة: لحِفظ حَاضر هَبات؛ ونَيل مَاثل نفحات مُنتظرة مِن أَزكى وأَنقى "أَنفاس" التوازن؛ واستيضاح يقظ لرِقاع مُحايد مِن قَوافِل وجَحافِل سَير الوقائع المُستتِرة في كبسولاتها المكنونة؛ واستخلاص نسخة مُحدَّثة، بعد تحليل مُجمل المُلابسات العالقة- بشفافية وأَريحية- لحدثٍ مَا، قد يكون مَحجوبًا مَدفونًا، في سُدَّة مَخزون الذاكرة القصيرة، أو البعيدة! … وقد يكون الهدف المَنظور المُبتغى ذاتُه سَارًا مْبهجًا؛ أَو مُؤلمًا مُهيجًا… !
هذا، ومن بين رُكام جُملة أَمثلة العودة، ومُداولة استقطابها بين صُفوف سُطور خاطرتي الساخنة، تَتوارد بتزاحم رَشيق، إِلى ناصية ذهني، باستحضار نشط، أَصدق وأَرق فلاشات الزيارة الجماعية الترفيهية إلى جانب مِن رُبوع أَمريكا: أنا والزوجة، وطفلتي في ربيعها الرابع، بمعية زميلي "التاروتي" المُبتعت آنذاك، وبرفقة حَرَمه وطفله- يَرحمه الله تعالى بواسع رحمته، ويُحسِن إِليه- الذى وافاه قدر الأَجل المَحتوم، قبل بِضعة أشهر… وتم الانطلاق مِن ولاية تكساس في أقصى الجنوب، قاصدين ولاية كاليفورنيا في أقصى الغرب، في مَقصورة مَركبة واحدة، وذلك قُبيل استهلال شتاء نهاية العقد الثامن الميلادي، مِن القرن المنصرم، وتحديدًا أثناء إِجازة عيد الميلاد السنوية العامة...
ولن أُطِيل على القارئ الكريم، فعند دُخولنا إلى ولاية كاليفورنيا، كانت الخطة تَتضمن زيارة الأماكن الترفيهية المشهورة: ( ديرني لاند، والسي ورلد- عالم البحار) مُرورًا بالحديقة الطبيعية المفتوحة… ومِن ضِمن برنامج رِحلتنا الاستكشافية الماتعة، دخلنا في مدينة "لوس أنجلوس" الضخمة المُترامية الأَطراف، حيت حَدث لنا مَوقفان مُحرجان: أولهما، قد أَضَعنا الطريق، ودَخلنا إِلى مَنطقة زراعية شبه خالية مِن السكان؛ لنتوقف ونسأل شخصًا عن الطريق المؤدي إِلى وَسط المدينة، فأشار علينا بالتوغل في جَادة الطريق الزراعي الضيقة… وبعد أكثر مِن نصف ساعة مِن السير الحثيث، لم نر أَثرًا يُذكر لإِشارة توجيهية، عندها أَدركنا بأََن هناك كَمينًا ينتظرنا، فقررنا، على الفور الرجوع والعودة والدوران إِلى جادة طريقنا السابق، وهذا أَول مَسار قادنا إِلى تصحيح خط العودة الذاتي المُعلن عنه في استهلال مُقدمة ديباجة خاطرتي المُتواضعة: الهُروب الآمِن المُطمئِن مِن مَغبة المَكيدة المُدبَّرة، في وَضحِ النهار- بصحوةٍ وانتباهٍ- إِلى سَوية سًلوك جادة النجد الصحيح الآمِن... أمَّا الموقف الثاني المُخزي، فقد- كَشَّر عن أنيابه الحادة- بهجومٍ وافتراسٍ وشيكٍ… إذا رغبنا آنذاك بالتسوق راجلين، بعد وُصولنا لوسط المدينة القديمة، في مَتاجر أسواقها العتيقة؛ ولتحقيق ذلك، فقد قررنا تأمين السيارة في أحد المواقف القريبة المُتعددة الأَدوار. هذا، وبعد تسلم بطاقة الدخول، ترجَّلنا مِن السيارة، قاصدين الخروح؛ عِندئذٍ استوقفنا أَحد الحُراس مِن ذوي البشرة السمراء، وأَخبرنا بضرورة تسليم مُفتاح السيارة، قبل مُغادرة الموقف… فرفضنا بشدة، وقد تمَّ لنا الخروج والعودة، مِن جديد؛ للتصحيح الفوري للمسار الخاطئ، غير المنطقي ثانية، لحَدسنا المُرهف بحُدوث مَا لا يُحمد عُقباه…!
وفي مِثل تلك الأَحوال المُزرية الغامضة، التي تتجدد مِرارً وتَكرارًا، دُون سَابق دِراية لخُطة مُحكمة، أو استشعار "فبركة" شَرَك مْدبَّر، لابُد مِن أخذ الحِيطة والحَذر، وإِضاءة مِسرَجَة التفكر والتدبر؛ وأَن نَزن الأمور بموارينها الصحيحة، ثم نَتوكل على الله، الذي لا تَضيع وَدائعه… كل ذلك النهج السليم، والمنحى القويم، يُقربانا ويُدنيانا مِن قول نَبينا الأَكرم، عليه أفضل الصلاة، وأَتم التسليم: (حَاسبوا أَنفسكم قبل أَن تُحاسبوا…) يلي ذلك في المرتبة الثانية، جِهاد النفس، ونَهيها عن غَيها، وتَجشُّم صَبر وعَناء المُكابدة؛ حتى تستقيم الطباع، وتصفو النفس مِن شرور الوسوسة، والتزيِين والحث على المَكارِه… عندئذٍ يَرتقي الإِنسان المُنتصر، قلبًا وقالبًا، على أَحقر شَهواته المُقيتة، وأَتفه غرائزة المُهلكة؛ لتسمو مَلكات النفس، وتُستكمَل فَضائل الروح، ارتقاءً بنَقائها وصَفائها إِلى ضِيافة وقَراء المَلكُوت الأَعلى، في رِحاب وكَنف مَليكٍ مُقتدر... (وأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبَّه ونَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى* فَإَنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى).



