أنت بخير ولا تعلم!

زيارة واحدة لمشفى وتعرف أنك أفضل حالًا من كثير من الناس! تدخل أول حجرة وتُتمتم: هذا فلان الذي كان "ينطّ" مثل غزال وأقوى من حصان حقل، إذا أمسكَ برقبة رجل يغيب نفسه؟ هذا الذي يعتني بهندامه يلبس "دشداشة" المستشفى؟ يساعده ربي، صار الآن معلقًا بأنابيب وأجهزة تؤشر بين الحياةِ والموت!
تدخل حجرة رقم 2، فلان معه مرض خطير وتوقف قلبه عن النبض والطبيب يحاول إعادةَ نبضه؛ كيف؟ زرناه يومَ أمس وكان جالسًا على السرير، لم يكن خاليًا من المرض لكن كيف تدهورت صحته؟ حجرة رقم 3، طبيب يسرع وممرضة تجري يحاولان تخفيف الألم بجرعة دواء!
أظنّ أنني سوف أحزن القارئ الكريم والقارئة الكريمة في مناظر بقية الحجر! أما واقع الحياة فهو كالتالي: إذا كنت مريضًا هناك من هو أشدّ مرضًا منك، فقيرًا هناك من هو أشدّ فقرًا منك، وكل هؤلاء يتعلقون بحبالِ رحمة الله يرجون أن تتغير أحوالهم إذ لولا الأمل ما عاش في الدنيا أحد:
أعللُ النفسَ بالآمالِ أرقبها ** ما أضيق العيشِ لولا فُسحة الأملِ
ماذا عسى أن نفعل؟ إذا نحن في عافية نحمد اللهَ ونحاول بما أعطانا الله من قوة أن نحافظ على العافية، ولا يساورنَا الغرور بأنّ ما نحن فيه من نعمة هي من عندنا إنما هي من عند الله! في سنوات صبانا كانت العبارة التالية تكتب في المدارس: "الصحة تاج على رؤوس الأصحَّاء لا يراها إلا المرضى"؛ آنذاك لم نعرف ماذا تعني وعندما كبرنا رأينا في الحياة من يملك المال الوافر ولا يملك العافية والمشافي مليئة بأنواع الأمراض! تسأل: لماذا لا ينقل المريض إلى مشفى آخر أو دولة أخرى؟ الجواب: لا داعي، المرض معروف والعلاج واحد، المال لا ينفع!
تنظر من نافذة الحياة وترى أنواعًا لا تُحصى من الابتلاء وأشدها بلاءً فقد الصحة والعافية التي لا بد أن نعترف أنها نعمة واجبٌ شكر الله عليها والحفاظ عليها. مع ذلك كم منا من يهمل هذا التاج؟ هذا يدخن أنواعًا من التبغ وغيرها، ثانٍ يجمع على نفسه وزنًا لا يطيق حمله وغير ذلك من أنماط الإهمال!
في المرض رحمة من الله لا شكّ فما أكثر ما حُجب عنا معرفته! من ذلك أن الله سبحانه يعطي المريض ثواب ما كان يعمل في أيام صحته. عن النبيّ محمد -صلى الله عليه وآله-: ما من مسلمٍ يبتلى في جسده إلا قال الله -عزّ وجلّ- لملائكته: "اكتبوا لعبدي أفضلَ ما كان يعمل في صحته".
العافية لكم جميعًا؛ حافظوا على صحتكم كيفما استطعتم! ولا تنسوا المرضى من الدعاء في صلواتكم، فلربّ دعوة أخ تحت جنح الليل أفضل من دواء. إن الله تعالى قال لموسى -عليه السلام-: ادعني على لسانٍ لم تعصني به، فقال: أنّى لي بذلك؟! فقال: ادعني على لسانِ غيرك.



